الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة الكتاب

(الفائدة الخامسة) في بيان المراد بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، أقول: روى أحد وعشرون صحابيا حديث نزول القرآن على سبعة أحرف حتى نص أبو عبيدة على تواتره، وفي مسند أبي يعلى أن عثمان رضي الله عنه قال على المنبر: أذكر الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف، لما قام فقاموا، حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معهم)، واختلف في معناه على أقوال: (أحدها) أنه من المشكل الذي لا يدرى لاشتراك الحرف، وفيه أن مجرد الاشتراك لا يستدعي ذلك، اللهم إلا أن يكون بالنظر إلى هذا القائل، (ثانيها) أن المراد التكثير لا حقيقة العدد، وقد جروا على تكثير الآحاد بالسبعة، والعشرات بالسبعين، والمئات بسبعمائة، وسر التسبيع لا يخفى، وإليه جنح عياض، وفيه مع عدم ظهور معناه أن حديث أبي كما رواه النسائي (أن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل عن يساري، فقال جبريل : اقرإ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف)، ونحوه من الأحاديث، لا سيما حديث أبي بكرة الذي في آخره: (فنظرت إلى ميكائيل فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة)، أقوى دليل على إرادة الانحصار، بل في جمع القلة نوع إشارة إلى عدم الكثرة كما لا يخفى، (ثالثها) إن المراد بها سبع قراءات، وفيه أن ذلك لا يوجد في كلمة واحدة إلا نادرا، والقول أن كلمة تقرأ بوجه أو وجهين إلى سبع يشكل عليه ما قرئ على أكثر، اللهم إلا أن يقال: ورد ذلك مورد الغالب، وفيه ما لا يخفى حتى قال السيوطي: قد ظن كثير من القوم أن المراد بها القراءات السبعة، وهو جهل قبيح، فتدبر، (رابعها) أن المراد بها سبعة أوجه من المعاني المتفقة على ألفاظ مختلفة، نحو: أقبل، وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع، وإليه ذهب ابن عيينة، وجمع وأيد برواية (حتى بلغ سبعة أحرف، قال : كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب)، وبما حكي أن ابن مسعود أقرأ رجلا إن شجرت الزقوم طعام الأثيم فقال الرجل: طعام الأثيم فردها عليه، فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: (الفاجر)، قال: نعم، قال: فافعل، وفيه أن ذلك كان رخصة لعسر تلاوته بلفظ واحد على الأميين، ثم نسخ، وإلا لجازت روايته بالمعنى، ولذهب التعبد بلفظه، ولاتسع الخرق، ولفات كثير من الأسرار، والأحكام، وهذا يستدعي نسخ الحديث، وفيه بعد، بل لا قائل به، (خامسها) أن المراد بها كيفية النطق بالتلاوة من إدغام، وإظهار، وتفخيم، وترقيق، وإشباع، ومد، وقصر، وتشديد، وتخفيف، وتليين، وتحقيق، وفيه أن ذلك ليس من الاختلاف [ ص: 21 ] الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى، واللفظ الواحد بهذه الصفات باق على وحدته، فليس فيه حينئذ جليل فائدة.

(سادسها) أن المراد سبعة أصناف، وعليه كثيرون، ثم اختلفوا في تعيينها فقيل : محكم، ومتشابه، وناسخ، ومنسوخ، وخصوص، وعموم، وقصص، وقيل : إظهار الربوبية، وإثبات الوحدانية، وتعظيم الألوهية، والتعبد لله، ومجانبة الإشراك، والترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب، وقيل: أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وإباحة، وإرشاد، واعتبار، وقيل: غير ذلك، والكل محتمل، بل وأضعاف أمثاله، إلا أنه لا مستند له ولا وجه للتخصيص.

(سابعها) أن المراد سبع لغات، وإليه ذهب ثعلب، وأبو عبيد، والأزهري، وآخرون، واختاره ابن عطية وصححه البيهقي، واعترض بأن لغات العرب أكثر، وأجيب بأن المراد أفصحها، وهي لغة قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر، واستنكره ابن قتيبة قائلا : لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش بدليل: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وعليه يلتزم كون السبع في بطون قريش، وبه جزم أبو علي الأهوازي، وليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل أنها مفرقة فيه، ولعل بعضها أسعد من بعض، وأكثر نصيبا، وقيل: السبع في مضر خاصة، لقول عمر رضي الله عنه : نزل القرآن بلغة مضر، وقال بعضهم : إنهم هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسيد بن خزيمة، وقريش، وقيل: أنزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن تقرأه بلغاتها دفعا للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية، ولم يقع ذلك بالتشهي بل المرعي فيه السماع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكيفية نزول القرآن على هذه السبع أن جبريل عليه السلام كان يأتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في كل عرضة بحرف إلى أن تمت، قال السيوطي بعد نقل هذا القول، وذكر ما له وما عليه: وبعد هذا كله هو مردود بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة، وقبيلة واحدة، وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، فدل على أن المراد بالأحرف السبعة غير اللغات انتهى، ويا ليت شعري أدعى أحد من المسلمين أن معنى إنزال القرآن على هذه السبع من لغات هؤلاء العرب أنه أنزل كيفما كان، وأنهم هم الذين هذبوه بلغاتهم، ورشحوه بكلماتهم بعد الإذن لهم بذلك، فإذا لا تختلف أهل قبيلة واحدة في كلمة، ولا يتنازع اثنان منهم فيها أبدا، أم أن الله تعالى شأنه ظهر كلامه في مرايا هذه اللغات على حسب ما فيها من المزايا، والنكات، فنزل بها وحيه، وأداها نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، ووعاها أصحابه، فكم صحابي هو من قبيلة وعى كلمة نزلت بلغة قبيلة أخرى، وكلاهما من السبع، وليس له أن يغير ما وعى، بل كثيرا ما يختلف صحابيان من قبيلة في الرواية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكل من روايتيهما على غير لغتهما، كل ذلك اتباعا لما أنزل الله تعالى، وتسليما لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ينفي صحابي غير روايته، وينكر رواية غيره، وكل ذلك يدل على أن مرجع السبع الرواية لا الدراية، فرد الإمام السيوطي لا أدري ماذا أرد منه، وما الذي أسكت عنه، فها هو بين يديك، فاعمل ما شئت فيه، وسلام الله تعالى عليك، ومما ذكرناه علمت أن القلب يميل إلى هذا السابع، فافهم، وقد حققنا بعض الكلام في هذا المقام، في كتابنا (الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية) فارجع إليه إن أردته، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(الفائدة السادسة) في جمع القرآن وترتيبه: اعلم أن القرآن جمع أولا بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد أخرج الحاكم بسند على شرط الشيخين، عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نؤلف القرآن في الرقاع)، وثانيا: بحضرة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج البخاري في صحيحه، عن زيد بن ثابت أيضا قال: (أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب [ ص: 22 ] عنده، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال عمر : هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد قال أبو بكر : إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره، لقد جاءكم رسول حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر )، وأخرج ابن أبي داود بسند رجاله ثقات مع انقطاع (أن أبا بكر قال لعمر وزيد مع أنه كان حافظا: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه)، ولعل الغرض من الشاهدين أن يشهدا على أن ذلك كتب بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو على أنه مما عرض عليه صلى الله تعالى عليه وسلم عام وفاته، وإنما اكتفوا في آية التوبة بشهادة خزيمة لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين، والقول بأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة مما لا حجار له، وما شاع أن عليا كرم الله وجهه لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تخلف لجمعه، فبعض طرقه ضعيف، وبعضها موضوع، وما صح فمحمول كما قيل على الجمع في الصدر، وقيل: كان جمعا بصورة أخرى لغرض آخر، ويؤيده أنه قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ، فهو ككتاب علم، وقد أخرج ابن أبي داود بسند حسن، عن عبد خير قال : سمعت عليا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رضي الله تعالى عنه رحمة الله على أبي بكر ، هو أول من جمع كتاب الله، أي على الوجه الذي تقدم، فلا ينافي ما في مختصر القرماني أن أول من جمعه عمر رضي الله تعالى عنه، وما روي عن أبي بريدة أنه قال: أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة، أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه، فهو مع غرابته، وانقطاعه محمول على أنه أحد الجامعين بأمر أبي بكر رضي الله تعالى عنه، قاله الإمام السيوطي ، وهي عثرة منه لا يقال لصاحبها: لعا، لأن سالما هذا قتل في وقعة اليمامة كما يدل عليه كلام الحافظ ابن حجر في إصابته، ونص عليه السيوطي نفسه في إتقانه، بعد هذا المبحث بأوراق، ولا شك أن الأمر بالجمع، وقع من الصديق بعد تلك الوقعة، وهي التي كانت سببا له كما يدل عليه حديث البخاري الذي قدمناه، فسبحان من لا ينسى، وما اشتهر أن جامعه عثمان فهو على ظاهره باطل، لأنه رضي الله تعالى عنه إنما حمل الناس في سنة خمس وعشرين على القراءة [ ص: 23 ] بوجه واحد، باختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين، والأنصار، لما خشي الفتنة من اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فقد روى البخاري ، عن أنس (أن حذيفة بن اليماني قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية، وآذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان : أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القراءات في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال زيد : ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ألحقناها في سورتها في المصحف، وقد ارتضى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى أن المرتضى كرم الله تعالى وجهه قال على ما أخرج ابن أبي داود بسند صحيح، عن سويد بن غفلة عنه : (لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل في المصاحف إلا عن ملإ منا)، وفي رواية: (لو وليت لعملت بالمصحف الذي عمله عثمان )، وما نقل عن ابن مسعود أنه قال لما أحرق مصحفه : لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم كما صنعوا بمصحفي، كذب كسوء معاملة عثمان معه التي يزعمها الشيعة حين أخذ المصحف منه، وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكره غير واحد من المحققين، حتى صرحوا بأن عثمان لم يصنع شيئا فيما جمعه أبو بكر من زيادة، أو نقص، أو تغيير ترتيب، سوى أنه جمع الناس على القراءة بلغة قريش محتجا بأن القرآن نزل بلغتهم.

ويشكل عليه ما مر آنفا من قول زيد : ففقدت آية من الأحزاب إلخ، فإنه بظاهره يستدعي أن في المصاحف العثمانية زيادة، لم تكن في هاتيك الصحف، والأمر في ذلك هين، إذ مثل هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بها، ولعلها تشبه مسألة التضاريس، ولو كان هناك غيرها لذكر، وليس فليس، ولا تقدح أيضا في الجمع السابق، إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة، وكثيرا ما تعتري السارحين في رياض حظائر قدس كلام رب العالمين، فيذكرهم سبحانه بما غفلوا، فيتداركون ما أغفلوا، وزيد هذا كان في الجمعين، ولعله الفرد المعول عليه في البين، لكن عراه في أولهما ما عراه، وفي ثانيهما ذكره من تكفل بحفظ الذكر فتدارك ما نساه.

وبعد انتشار هذه المصاحف بين هذه الأمة المحفوظة لا سيما الصدر الأول الذي حوى من الأكابر ما حوى، وتصدر فيه للخلافة الراشدة علي المرتضى، وهو باب مدينة العلم لكل عالم، والأسد الأشد الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيء بعد من القرآن، وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين الواضح البرهان، وزعمت الشيعة أن عثمان بل أبا بكر وعمر أيضا حرفوه، وأسقطوا كثيرا من آياته، وسوره، فقد روى الكليني منهم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله: أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد [ ص: 24 ] سبعة عشر ألف آية، وروى محمد بن نصر عنه أنه قال: كان في " لم يكن " اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وروي عن سالم بن سليمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله وأنا أسمعه حروفا من القرآن، ليس ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد الله: مه عن ذه القراءات، واقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم، فاقرأ كتاب الله على حده، وروي عن محمد بن جهم الهلالي وغيره، عن أبي عبد الله أن أمة هي أربى من أمة ليس كلام الله بل محرف عن موضعه، والمنزل: (أئمة هي أزكى من أئمتكم)، وذكر ابن شهراشب المازندراني في كتاب (المثالب) له أن سورة الولاية أسقطت بتمامها، وكذا أكثر سورة الأحزاب، فإنها كانت مثل سورة الأنعام، فأسقطوا منها فضائل أهل البيت، وكذا أسقطوا لفظ (ويلك) من قبل لا تحزن إن الله معنا وعن ولاية علي من بعد وقفوهم إنهم مسؤولون وبعلي بن أبي طالب من بعد وكفى الله المؤمنين القتال وآل محمد من بعد وسيعلم الذين ظلموا إلى غير ذلك، فالقرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقا وغربا، وهو لكرة الإسلام ودائرة الأحكام، مركزا وقطبا أشد تحريفا عند هؤلاء من التوراة والإنجيل، وأضعف تأليفا منهما، وأجمع للأباطيل، وأنت تعلم أن هذا القول أوهى من بيت العنكبوت، وأنه لأوهن البيوت، ولا أراك في مرية من حماقة مدعيه، وسفاهة مفتريه، ولما تفطن بعض علمائهم لما به، جعله قولا لبعض أصحابه، قال الطبرسي في مجمع البيان: أما الزيادة فيه، أي القرآن، فمجمع على بطلانها، وأما النقصان، فقد روي عن قوم من أصحابنا، وقوم من حشوية العامة والصحيح خلافه، وهو الذي نصره المرتضى، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، وذكر في مواضع: أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن الغاية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن مفجر النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه، وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرا، أو منقوصا مع العناية الصادقة، والضبط الشديد، وقال أيضا : إن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه ، والمزني، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا من النحو ليس من الكتاب لعرف، وميزانه ملحوق، وأنه ليس من أصل الكتاب، وكذا القول في كتاب المزني، ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء، وذكر أيضا: أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس، ويحفظ جميعه في ذلك الزمان، وأنه كان يعرض على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ويتلى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عدة ختمات، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مثبور، ولا مبثوث، وذكر أن من خالف ذلك من الإمامية، والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع بصحته، انتهى، وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال، والحمد لله على أن ظهر الحق، وكفى الله المؤمنين القتال، إلا أن الرجل قد دس في الشهد سما، وأدخل الباطل في حمى الحق الأحمى، (أما أولا) فلأن نسبة ذلك إلى قوم من حشوية العامة الذين يعني بهم أهل السنة [ ص: 25 ] والجماعة، فهو كذب أو سوء فهم لأنهم أجمعوا على قدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنا، كما هو موجود بين الدفتين اليوم، نعم أسقط زمن الصديق ما لم يتواتر، وما نسخت تلاوته، وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ، وما لم يكن في العرضة الأخيرة، ولم يأل جهدا رضي الله تعالى عنه في تحقيق ذلك، إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين، فلهذا نسب إليه، كما روي عن حميدة بنت يونس أن في مصحف عائشة رضي الله عنها (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون الصفوف الأول)، وأن ذلك قبل أن يغير عثمان المصاحف، فما أخرج أحمد عن أبي قال: قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : (إن الله أمرني أن أقرأ عليك، فقرأ علي: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفره)، وفي رواية: (ومن يعمل صالحا فلن يكفره وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه)، وفي رواية الحاكم: فقرأ فيها (ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه يسأل ثانيا ولو سأل ثانيا فأعطيه يسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)، وما روي عنه أيضا أنه كتب في مصحفه سورتي الخلع والحفد: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق)، فهو من ذلك القبيل، ومثله كثير، وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد، عن ابن عمر قال: (لا يقولن أحدكم: قد أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كله، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل: قد أخذت منه ما ظهر)، والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى إلا أنها محمولة على ما ذكرناه، وأين ذلك مما يقوله الشيعي الجسور ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور .

وأما ثانيا فلأن قوله: إن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن إلخ، إن أراد به أنه مرتب الآي والسور كما هو اليوم، وأنه يقرأه من حفظه في الصدر من الأصحاب، كذلك لكنه كان مفرقا في العسب، واللخاف، فمسلم، إلا أنه خلاف الظاهر من سياق كلامه، وسباقه، وإن أراد أنه كان في العهد النبوي مقروءا كما هو الآن لا غير، وكان مرتبا ومجموعا في مصحف واحد غير متفرق في العسب واللخاف فممنوع، والدليل الذي استدل به لا يدل عليه كما لا يخفى، ويالله العجب كيف ذكر في هذا المعرض ختمات ابن مسعود وأبي على النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك من أدلة مدعاه، مع أن مروي كل منهما يخالف مروي الآخر، وكلاهما يخالفان ما في المصحف العثماني، فالسور مثلا في مصحفنا مائة وأربعة عشرة بإجماع من يعتد به، وقيل: ثلاثة عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، وفي مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة، لأنه لم يكتب المعوذتين بل صح عنه أنه كان يحكهما من المصاحف ويقول: ليستا من كتاب الله تعالى، وإنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتعوذ بهما [ ص: 26 ] ولهذا عوذ بهما الحسن والحسين، ولم يتابعه أحد من الصحابة على ذلك، وقد صح أنه قرأهما في الصلاة، فالظاهر أنهما غير متواترتين قرآنا عنده، والقول بأنه إنما أنكر الكتابة وأراد بالكتاب المصحف ليتم التأويل مستبعد جدا، بل لا يصح كما لا يخفى، وفي مصحف أبي خمسة عشرة لأنه كتب في آخره بعد العصر سورتي الخلع والحفد، وجعل سورة الفيل وقريش فيه سورة واحدة، وترتيب كل أيضا متغاير، ومغاير لترتيب مصحفنا، لا سترة عليها، فسورة (ن) في مصحف ابن مسعود بعد (الذاريات)، (ولا أقسم بيوم القيامة) بعد (عم)، و(النازعات) بعد (الطلاق)، و(الفجر) بعد (التحريم)، إلى غير ذلك، وسورة بني إسرائيل في مصحف أبي بعد الكهف، والحجرات بعد (ن) و(تبارك) بعد (الحجرات)، و(النازعات) بعد (الواقعة)، و(ألم نشرح) بعد (قل هو الله أحد) مع اختلاف كثير يظهر لمن رجع إلى الكتب المتقنة في هذا الباب، وكأن ران البغض غطى على قلب هذا البعض، فقال ما قال، ولم يتفكر في حقيقة الحال، ولم يبال بوقع النبال قاصدا أن يستر بمنخل مختل كذبه نور ذي النورين الساطع عليه من برج شمس الكونين، ومن بدر صحبه مع أن نسبة هذا الجمع إليهما من أوضح الأمور بل أشهر من المشهور، وهو شائع أيضا عند الشيعة، وليس لهم إلى إنكاره ذريعة، ولكن مركب التعصب عثور، ومذهب التعسف محذور، وإذا حققت ما ذكرناه، ووعيت ما عليك تلوناه، فاعلم أن ترتيب آيه وسوره بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، أما ترتيب الآي فكونه توقيفيا مما لا شبهة فيه، حتى نقل جمع منهم الزركشي وأبو جعفر الإجماع عليه من غير خلاف بين المسلمين، والنصوص متظافرة على ذلك.

وما يدل بظاهره من الآثار على أنه اجتهادي معارض ساقط عن درجة الاعتبار كالخبر الذي أخرجه ابن أبي داود بسنده، عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: (أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها)، فإنه معارض بما لا يحصى مما يدل على خلافه، بل لابن أبي داود مخرجه خبر يعارضه أيضا، فقد أخرج أيضا عن أبي أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ظنوا أن هذا آخر ما نزل، فقال أبي: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقرأني بعد هذا آيتين: لقد جاءكم رسول إلى آخر السورة.

وأما ترتيب السور ففي كونه اجتهاديا أو توقيفيا خلاف، والجمهور على الثاني، قال أبو بكر الأنباري: أنزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، فيوقف جبريل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على موضع الآية والسورة، فمن قدم أو أخر فقد أفسد نظم القرآن، وقال الكرماني: ترتيب السور هكذا، هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ، وعليه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وقال الطيبي مثله، وهو المروي عن جمع غفير، إلا أنه يشكل على هذا ما أخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي ، وابن حبان، والحاكم، عن ابن عباس قال: قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان [ ص: 27 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: (دعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما في السبع الطوال.

فهذا يدل على أن الاجتهاد دخل في ترتيب السور، ولهذا ذهب البيهقي إلى أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال، وله انشرح صدر الإمام السيوطي لما ضاق ذرعا عن الجواب، والذي ينشرح له صدر هذا الفقير هو ما انشرحت له صدور الجمع الغفير من أن ما بين اللوحين الآن موافق لما في اللوح من القرآن، وحاشا أن يهمل صلى الله تعالى عليه وسلم أمر القرآن، وهو نور نبوته وبرهان شريعته، فلا بد إما من التصريح بمواضع الآي والسور، وإما من الرمز إليهم بذلك، وإجماع الصحابة في المآل على هذا الترتيب، وعدولهم عما كان أولا من بعضهم على غيره من الأساليب، وهم الذين لا تلين قناتهم لباطل، ولا يصدهم عن اتباع الحق لوم لائم، ولا قول قائل، أقوى دليل على أنهم وجدوا ما أفادهم علما، ولم يدع عندهم خيالا ولا وهما، وعثمان رضي الله تعالى عنه وإن لم يقف على ما يفيده القطع في براءة والأنفال وفعل ما فعل بناء على ظنه، إلا أن غيره وقف، وقبل ما فعله، ولم يتوقف، وكم لعمر رضي الله تعالى عنه موافقات لربه أدى إليها ظنه، فليكن لعثمان هذه الموافقة التي ظفر غيره بتحقيقها من النصوص أو الرموز، فسكت على أن ذلك كان قبل ما فعل عثمان عند التحقيق، ولكن لما رفعت الأقلام وجفت الصحف واجتمعت الكلمة في أيامه، واقتدت المسلمون في سائر الآفاق بإمامه، نسب ذلك إليه، وقصر من دونهم عليه، والسؤال منه وجوابه ليسا قطعيين في الدلالة على الاستقلال لجواز أن يكون السؤال للاستخبار عن سر عدم المخالفة، والجواب لإبدائه على ما خطر في البال، وبالجملة بعد إجماع الأمة على هذا المصحف لا ينبغي أن يصاخ إلى آحاد الأخبار، ولا يشرأب إلى تطلع غرائب الآثار، فافهم ذاك، والله سبحانه وتعالى يتولى هداك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث