الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني عشر في الأحاديث الواردة في النهي عن تفضيله

الفصل الثاني عشر : في الأحاديث الواردة في النهي عن تفضيله

فإن قلت : إذا تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر ، وإجماع الأمة كونه أكرم البشر ، وأفضل الأنبياء فما معنى الأحاديث الواردة بنهيه عن التفضيل ؟ كقوله [ فيما حدثناه الأسدي ، قال : حدثنا السمرقندي ، حدثنا الفارسي ، حدثنا الجلودي ، حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم ، حدثنا محمد بن مثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة : سمعت أبا العالية يقول : حدثني ابن عم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يعني ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى .

وفي غير هذا الطريق عن أبي هريرة قال يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما ينبغي لعبد . . . الحديث .

وفي حديث أبي هريرة في اليهودي الذي قال : والذي اصطفى موسى على البشر ، [ ص: 259 ] فلطمه رجل من الأنصار ، وقال : تقول ذلك ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا . فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : لا تفضلوا بين الأنبياء .

وفي رواية : لا تخيروني على موسى فذكر الحديث .

وفيه : ولا أقول : إن أحدا أفضل من يونس بن متى .

وعن أبي هريرة : من قال : أنا خير من يونس بن متى فقد كذب .

وعن ابن مسعود : [ لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى ] .

وفي حديثه الآخر : فجاءه رجل ، فقال له : يا خير البرية ، فقال : ذاك إبراهيم . . . .

فاعلم أن للعلماء في هذه الأحاديث تأويلات :

أحدها : أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ، فنهى عن التفضيل ، إذ يحتاج إلى توقيف ، وأن من فضل بلا علم فقد كذب .

وكذلك قوله : لا أقول إن أحدا أفضل منه لا يقتضي تفضيله هو ، وإنما هو في الظاهر كف عن التفضيل .

الوجه الثاني : أنه قاله - صلى الله عليه وسلم - على طريق التواضع ، ونفي التكبر ، والعجب ، وهذا لا يسلم من الاعتراض .

الوجه الثالث : ألا يفضل بينهم تفضيلا يؤدي إلى تنقص بعضهم ، أو الغض منه ، لا سيما في جهة يونس - عليه السلام - ، إذ أخبر الله عنه بما أخبر لئلا يقع في نفس من لا يعلم منه بذلك غضاضة ، وانحطاط من رتبته الرفيعة ، إذ قال - تعالى - عنه : إذ أبق إلى الفلك المشحون [ الصافات : 140 ] . إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه [ الأنبياء : 87 ] فربما يخيل لمن لا علم عنده حطيطته بذلك .

الوجه الرابع : منع التفضيل في حق النبوة ، والرسالة ، فإن الأنبياء فيها على حد واحد ، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل ، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال ، والخصوص ، والكرامات ، والرتب ، والألطاف ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل ، وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ، ولذلك منهم رسل ، ومنهم أولو عزم من الرسل ، ومنهم من رفع مكانا عليا ، ومنهم من أوتي الحكم صبيا ، وأوتي بعضهم الزبور ، وبعضهم البينات ، ومنهم من كلم الله ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، قال الله - تعالى - : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض [ الإسراء : 55 ] الآية .

وقال : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض [ البقرة : 253 ] الآية .

قال بعض أهل العلم : والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا ، وذلك بثلاثة أحوال :

أن تكون آياته ، ومعجزاته أبهر ، وأشهر ، أو تكون أمته أزكى ، وأكثر ، أو يكون في ذاته أفضل ، وأطهر ، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته ، واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه ، وتحف ولايته ، واختصاصه .

وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن للنبوة أثقالا ، وإن يونس تفسخ منها تفسخ الربع فحفظ - صلى الله عليه وسلم - موضع الفتنة من أوهام من يسبق إليه بسببها جرح في نبوته ، أو قدح في اصطفائه ، وحط عن رتبته ، ووهن في عصمته ، شفقة منه - صلى الله عليه وسلم - على أمته .

وقد يتوجه على هذا الترتيب وجه خامس ، وهو أن يكون [ أنا ] راجعا إلى القائل نفسه ، أي لا يظن أحد ـ وإن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة ما بلغ ـ أنه [ ص: 260 ] خير من يونس ، لأجل ما حكى الله عنه ، فإن درجة النبوة أفضل ، وأعلى ، وإن تلك الأقدار لم تحطه ، عنها حبة خردل ، ولا أدنى .

وسنزيد في القسم الثالث في هذا بيانا إن شاء الله - تعالى - .

فقد بان لك الغرض ، وسقط بما حررناه شبهة المعترض ، وبالله التوفيق ، وهو المستعان لا إله إلا هو .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث