الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله

ولما هز سبحانه إلى الجهاد وشوق إليه بأنه متجر رابح، ولوح إلى النذارة بالتنشيط بالبشارة، فتهيأت النفوس إلى الإقبال عليه وانبعثت أي انبعاث، حض عليه بالإيجاب المقتضي للثواب أو العقاب، فقال مناديا بأداة البعد والتعبير بما يدل على أدنى الأسنان تأنيبا على أنه لا يعدم الوصف بالإيمان إلا مقرون بالحرمان تشويقا وتحببا: يا أيها الذين آمنوا [أي] أقروا بذلك فأذعنوا بهذا الوعظ غاية الإذعان أني أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لكم: كونوا أي بغاية جهدكم أنصار الله أي راسخين في وصف النصرة وفي الذروة العليا من ثبات الأقدام في تأييد الذي له الغنى المطلق لتكونوا - بما أشارت إليه قراءة الجماعة بالإضافة - بالاجتهاد في ذلك كأنكم جميع أنصاره، فإنكم أشرف من قوم عيسى عليه الصلاة والسلام، وما ندبكم سبحانه لنصرته إلا لتشريفكم بمصاحبة رسله الذين هم خلاصة خلقه عليهم الصلاة والسلام فقولوا سمعنا وأطعنا نحن أنصار الله وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتنوين ولام الجر على معنى: كونوا بعض أنصاره، ويشبه أن يكون المأمور به في هذه القراءة الثبات على [ ص: 41 ] الإيمان ولو في أدنى الدرجات، وفي قراءة الجمهور الرسوخ فيه.

ولما كان التقدير على صفة هي من الثبات والسرعة على صفة الحواريين، عبر عن ذلك بقوله: كما أي كونوا لأجل أني أنا [ندبتكم] بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين قال عيسى ابن مريم حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخا لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام للحواريين أي خلص أصحابه وخاصته منهم: من أنصاري حال كونهم سائرين في منازل السلوك والمعاملات ومراحل المجاهدات والمنازلات إلى الله أي المحيط بكل شيء فنحن إليه راجعون كما كنا به مبدوئين.

ولما اشتد تشوف السامع إلى جوابهم، أبان ذلك بقوله: قال الحواريون معلمين أنه جادون في ذلك جدا لا مزيد عليه عاملين فيما دعاهم إليه عمل الواصل لا السائر [لعلمهم أنه إجابته إجابة الله لأنه لا ينطق عن الهوى فليس كلامه إلا عن الله]: نحن أي بأجمعنا أنصار الله أي الملك الأعلى الذي هو غني عنا وقادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل الأرض ننصره الآن بالفعل، لا نحتاج إلى تدريب يسير ولا نظر [إلى] غير استحضارنا لجميع ما يقدر عليه الآدمي من صفات جلاله وجماله وكماله، ولذلك أظهروا ولم يضمروا.

ولما كان التقدير: ثم دعوا من خالفهم من بني إسرائيل وبارزوهم، [ ص: 42 ] سبب عنه قوله: فآمنت أي به طائفة أي ناس فيهم أهلية الاستدارة لما لهم من الكثرة من بني إسرائيل أي قومه وكفرت طائفة أي منهم، وأصل الطائفة: القطعة من الشيء فأيدنا أي قوينا بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام الذين آمنوا أي الذين أقروا بالإيمان المخلص منهم وغيره في القول والفعل وشددنا قلوبهم على عدوهم الذين عادوهم لأجل إيمانهم. ولما كان الظفر بالمحبوب [أحب ما يكون] إذا كان أول النهار، تسبب عن تأييده قوله: فأصبحوا أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل ظاهرين أي عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا إلا الله ولا يستخفون منه، فالتأييد تارة يكون [بالعلم وتارة] بالفعل علمه شديد القوى فصار علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى التمام، لأنه ناشئ عن علم مستفاد من قوة، وإلا لقال: علمه كثير العلم. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قوة مستفادة من علم، والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وغيرها أن تأييد المؤمنين [به] كان بعد رفعه بيسير حين ظهر [ ص: 43 ] الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى الله بما آتاهم من الآيات، فاتبعهم الناس، فلما تمادى الزمان ومات الحواريون رضي الله عنهم افترق الناس ودب إليهم الفساد، فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند بعث النبي صلى الله عليه وسلم عدما أو في حكم العدم، - كما دلت عليه قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من التنزه عما يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه، ومن الأمر مما أخبر أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثا عليه وتشويقا إليه - على أولها، واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من العز موصلها بمفصلها، بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة، والأمور التي أوقعته في المماشاة مع الكفار والمجاراة، فأوجب ذلك رسوخ الإيمان، وحصول الإتقان، المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان، والله الموفق للصواب وعليه التكلان.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث