الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والجبال أوتادا

والجبال أوتادا أي: كالأوتاد ففيه تشبيه بليغ أيضا والمراد أرسينا الأرض بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد قال الأفوه:


والبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد



وفي الحديث: «خلق الله تعالى الأرض فجعلت تميد، فوضع عليها الجبال فاستقرت فقالت الملائكة: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، فقالت: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم. النار، فقالوا: ربنا هل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال: نعم. الماء، فقالوا: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الماء؟ قال: نعم. الهواء، فقالوا: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الهواء؟ قال: نعم. ابن آدم؛ يتصدق بيمينه فيخفي ذلك عن شماله».

وظاهره كغيره أن خلق الجبال به خلق الأرض وإليه ذهب الفلاسفة المتقدمون والمحدثون وهي متفاوتة عندهم في الحدوث تقدما وتأخرا وجاء في حديث رواه الحاكم وصححه عن ابن عباس: إن أول جبل أبو قبيس، وفي كيفية حدوثها منذ حدثت خلاف عندهم، وقد يتلاشى ما حدث منها بطول الزمان:


إن الجديدين إذا ما استو     ليا على جديد أسلماه للبلى



وربما يشاهد حدوث بعض تلاع حجرية من انجماد بعض المياه، واستشكل احتياجها للإرساء بالجبال مع طلبها للمركز بثقلها المطلق، وأجيب بأنه قد علم الله تعالى أنها ستكون ويكون عليها من الأثقال ما يكون، ومن المعلوم أنها حينئذ يكون لها مركزان مركز حجم ومركز ثقل، والذي ينطبق منهما على مركز العالم إنما هو مركز الثقل فيلزم من تحرك ثقيل إلى جهة المشرق أو المغرب مثلا عليها تحركها لاختلاف مركز ثقلها ولزوم انطباقه على مركز العالم فيحصل الميد ولم تكن إذ ذاك بحيث لا يكون لما يكون عليها من أثقال سكنتها قدر يحس به فوضعت عليها الجبال وانطبق مركز ثقلها على مركز العالم وصار مجموع الأرض والجبال بحيث لا يظهر للمتحرك بعد قدر يحس به. وقيل: إنها كانت لخفتها بحيث يحركها أمواج البحر المحيط بها فيحصل الميد فثقلت بالجبال مع ما في الجبال من المنافع الجمة التي لم تخلق الأرض لأجلها بحيث لا تحركها الأمواج. وتمام الكلام في ذلك حسبما كنا واقفين عليه قد مر فتذكر. وحكي عن بعض أن جعلها كذلك بمعنى جعلها سببا لانتظام أهل الأرض بما أودع فيها من المنافع ولولاها لمادت بهم؛ أي: لما تهيأت للانتفاع بها ولاختل أمر سكناهم إياها وهو تأويل مناف للظواهر لا يحتاج إليه ما لم يقم الدليل القطعي على محالية إرادة الظاهر. نعم قيل: إن هذا أقرب للتقرير؛ فإن جعلها أوتادا بهذا المعنى أظهر من جعله كذلك بذلك المعنى وأقرب إلى العلم به، وربما يقال: إنه أوفق لترك إعادة العامل ومن لا يراه يجعل النكتة فيه قوة ما بين الأرض والجبال من الاشتراك والارتباط فافهم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث