الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل يا أيها الكافرون

السابع عشر : لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة ، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئا ، لا لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقا ، فإنه كان قاطعا بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام ، توقف في أنه بماذا يجيبهم ؟ أبأن يقيم الدلائل العقلية على امتناع ذلك ؟ أو بأن يزجرهم بالسيف ؟ أو بأن ينزل الله عليهم عذابا ؟ فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا : إن محمدا مال إلى ديننا ، فكأنه تعالى قال : يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ، ولكنه أوهم باطلا ، فتدارك إزالة ذلك الباطل ، وصرح بما هو الحق ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

الثامن عشر : أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج : أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية ، فقال : لا أحصي ثناء عليك ، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه قيل له : إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة ، فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و ( قل ياأيها الكافرون ) حتى يكون سكوتك لله وكلامك لله ، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار .

التاسع عشر : لو قال له : لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه : ( لا أعبد ما تعبدون ) أما لما أمره بأن يقول بلسانه : ( لا أعبد ما تعبدون ) يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذبا ، فثبت أنه لما قال له قل : ( لا أعبد ما تعبدون ) فلزمه أن يكون منكرا لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه . ولو قال له : لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه ، [ ص: 130 ] أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان ، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له : ( قل ) يقتضي المبالغة في الإنكار ، فلهذا قال : قل : ( لا أعبد ما تعبدون ) .

العشرون : ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين ونارا للمشركين و ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

الحادي والعشرون : أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال : إن شافهتهم بالرد تأذوا ، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم ، فكأنه تعالى قال له : يا محمد لم سكت عن الرد ، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك ، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم : ف ( إنا أعطيناك الكوثر ) وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك ، الخوف بقولنا : ( إن شانئك هو الأبتر ) فلا تلتفت إليهم ، ولا تبال بكلامهم ، و ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

الثاني والعشرون : أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي ؟ فقلت : ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) [ البينة : 1 ] فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين ؛ لأن طعن أهل الكتاب فيك ، وطعن المشركين في ، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين ، وأنت أيضا هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت : " اللهم اهد قومي " ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت : " اللهم املأ بطونهم نارا " فههنا أيضا قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفا منهم ، أو لست خائفا منهم فأظهر إنكار قولهم ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

الثالث والعشرون : كأنه تعالى يقول : قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة ، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئا ولا تظهره بلسانك ، بل قلت لك على سبيل العتاب : ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) [ الأحزاب : 37 ] فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار ، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة ، وهي أعظم المسائل خطرا بالسكوت ؟ قل بصريح لسانك : ( ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

الرابع والعشرون : يا محمد ألست قلت لك : ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) [ الفرقان : 51 ] ثم إني في هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره ، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت : ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) [ الأحزاب : 40 ] فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلا أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة . فقل : ( ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

الخامس والعشرون : كأنه تعالى يقول : القوم جاءوك وأطمعوك في متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الإنكار والرد ، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة معي حيث قلت : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) [ الفتح : 10 ] وجعلت متابعتك متابعة لي حيث قلت : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [ آل عمران : 31 ] ثم إني ناديت في العالمين وقلت : ( أن الله بريء من المشركين ورسوله ) [ التوبة : 3 ] فصرح أنت أيضا بذلك ، و ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

السادس والعشرون : كأنه تعالى يقول : ألست أرأف بك من الوالد بولده ، ثم العري والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب ، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى ، فقد جربتني ، ألم أجدك [ ص: 131 ] يتيما وضالا وعائلا ؟ ألم نشرح لك صدرك ؟ ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة ، وبعلي علما ؟ ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك ؟ ألم أكف أسلافك رحلة الشتاء والصيف ؟ ألم أعطك الكوثر ؟ ألم أضمن أن خصمك أبتر ؟ ألم يقل جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها : ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) [ مريم : 42 ] فصرح بالبراءة عنها و ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث