الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها ولا إثباتها في كتاب ولا سنة

وحلول الحوادث بالرب تعالى ، المنفي في علم الكلام المذموم ، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة ، وفيه إجمال : فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة ، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن - فهذا نفي صحيح . وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية ، من أنه لا يفعل ما يريد ، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء ، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى ، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته - فهذا نفي باطل .

وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث ، فيسلم السني للمتكلم ذلك ، على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله ، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل ، وهو لازم له . وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل ، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه .

وكذلك مسألة الصفة : هل هي زائدة على الذات أم لا ؟ لفظها [ ص: 98 ] مجمل ، وكذلك لفظ الغير ، فيه إجمال ، فقد يراد به ما ليس هو إياه ، وقد يراد به ما جاز مفارقته له .

ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره ، ولا أنه ليس غيره . لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له ، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو ، إذا كان لفظ الغير فيه إجمال ، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل : فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها - فهذا غير صحيح ، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة - فهذا حق ، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات ، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها ، وإنما يفرض الذهن ذاتا وصفة ، كلا وحده ، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة ، فإن هذا محال . ولو لم يكن إلا صفة الوجود ، فإنها لا تنفك عن الموجود ، وإن كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا ، يتصور هذا وحده ، وهذا وحده ، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج .

وقد يقول بعضهم : الصفة لا عين الموصوف ولا غيره . هذا له معنى صحيح ، وهو : أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها ، وليست غير الموصوف ، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد .

[ ص: 99 ] والتحقيق أن يفرق بين قول القائل : الصفات غير الذات ، وبين قوله : صفات الله غير الله ، فإن الثاني باطل ; لأن مسمى الله يدخل فيه صفته بخلاف مسمى الذات ، فإنه لا يدخل فيه الصفات ; لأن المراد أن الصفات زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات ، والله تعالى هو الموصوف بالذات الموصوفة بصفاته اللازمة ، ولهذا قال الشيخ رحمه الله : " لا زال بصفاته " ولم يقل : لا زال وصفاته ; لأن العطف يؤذن بالمغايرة ، وكذلك قال الإمام أحمد رضي الله عنه في مناظرته الجهمية ، لا نقول : الله وعلمه ، الله وقدرته ، الله ونوره ، ولكن نقول : الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد سبحانه وتعالى .

فإذا قلت : أعوذ بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدس الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه

وإذا قلت : أعوذ بعزة الله ، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى ، ولم أعذ بغير الله . وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات ، فإن ذات في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة ، أي : ذات وجود ، ذات قدرة ، ذات عز ، ذات علم ، ذات كرم ، إلى غير ذلك من الصفات . فذات كذا بمعنى صاحبة كذا : تأنيث ذو . هذا أصل معنى الكلمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث