الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة الكتاب

(الفائدة السابعة) في بيان وجه إعجاز القرآن.

(اعلم) أن إعجاز القرآن مما لا مرية فيه، ولا شبهة تعتريه، وأرى الاستدلال هنا عليه مما لا يحتاج إليه، والشبه صرير باب، أو طنين ذباب، والأهم بالنسبة إلينا بيان وجه الإعجاز، والكلام فيه على سبيل الإيجاز، (فنقول): قد اختلف الناس في ذلك فذهب بعض المعتزلة إلى أن وجه إعجازه اشتماله على النظم الغريب، والوزن العجيب، والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من العرب في مطالعه، وفواصله، ورد بوجهين، (الأول) أنا لا نسلم المخالفة، فإن كثيرا من آياته على وزن أبيات العرب، نحو قوله تعالى: ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وقوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومثله كثير، (الثاني) أنا لو سلمنا المخالفة، لكن لا نسلم أنه لمجردها يكون معجزا، وإلا لكانت حماقات مسيلمة إذ هي على وزنه كذلك، وذهب الجاحظ إلى أنه اشتماله على البلاغة التي تتقاصر عنها سائر ضروب البلاغات، ورد بوجوه، (الأول) أنا إذا نظرنا إلى أبلغ الخطب، وأجزل الشعر، وقطعنا النظر عن الوزن، وقسناه بقصار القرآن كان الأمر في التفاوت ملتبسا، والمعجز لا بد أن ينتهي إلى حد لا يبقى معه لبس، ولا ريبة، (الثاني) إن القرآن غير خارج عن كلام العرب، وما من أحد من بلغائهم إلا وقد كان مقدورا له الإتيان بقليل من مثل ذلك، والقادر على البعض قادر على الكل، (الثالث) أن الصحابة اختلفوا في البعض، ولو كان منتهيا إلى الإعجاز بلاغة لعرفوه، وما اختلفوا، (الرابع) أنهم طلبوا البينة ممن أتى بشيء [ ص: 28 ] منه، ولو كانت بلاغته منتهية إلى حد الإعجاز ما طلبوها، (الخامس) أن في كل عصر من تنتهي إليه البلاغة وذلك غير موجب للإعجاز ولا للدلالة على صدق مدعي الرسالة لجواز أن يكون هو من انتهت إليه، وقيل: هو اشتماله على الإخبار بالغيب، ورد أما أولا فبأن الإصابة في المرة والمرتين ليست من الخوارق، والحد الذي يصير به الإخبار خارقا غير مضبوط، فإذا لا يمتنع أن يقال ما اشتمل عليه القرآن لم يصل إليه، وأما ثانيا فبأنه يلزم أن يكون إخبار المنجمين والكهنة عن الأمور المغيبة مع كثرة إصابتها معجزة، وأما ثالثا فبأنه يلزم أن تكون التوراة كذلك لاشتمالها كاشتماله، وأما رابعا فبأنه يلزم أن يكون الخالي عن الإخبار بالغيب من القرآن غير معجز، وقيل: هو كونه مع طوله وامتداده غير متناقض، ولا مختلف، وأبطل بوجهين، الأول أنا لا نسلم عدم التناقض والاختلاف فيه، أما التناقض فقوله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له والبحور كلها فيه، وقال تعالى : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم قال: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقال تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا فحصر المانع في أحد السببين، وقال: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا فحصر المانع في غيرهما إلى غير ذلك، وأما الاختلاف، فكقوله تعالى: (كالصوف المنفوش) بدل كالعهن المنفوش وقوله تعالى : (ضربت عليهم المسكنة والذلة) بدل قوله: الذلة والمسكنة وقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم)، وقوله تعالى: (في خلق آدم مرة من تراب ومرة من حمإ ومرة من طين ومرة من صلصال)، على أن فيه تكرارا لفظيا ومعنويا كما في الرحمن وقصة موسى مثلا، وتعرضا لإيضاح الواضحات كما في قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وقال عثمان : إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، (الثاني) أنا لو سلمنا السلامة من جميع ذلك لكنه ليس بإعجاز إذ هو موجود في كثير من الخطب والشعر، ويظهر كليا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار بتقدير التحدي بها، وقيل: هو موافقته لقضية العقل، ودقيق المعنى، ورد بأنه معتاد في أكثر كلام البلغاء، وينتقض أيضا بكلام الرسول الغير المعجز، وبالتوراة والإنجيل، وقيل: إعجازه قدمه، واعترض بأنه يستدعي أن يكون كل من صفاته تعالى كذلك، وأيضا الكلام القديم مما لا يمكن الوقوف عليه، فلا يتصور التحدي به، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والنظام : إعجازه بصرف دواعي بلغاء العرب عن معارضته، وقال المرتضى: بسلبهم العلوم التي لا بد منها في المعارضة، واعترض بأربعة أوجه (الأول) أنه يستلزم أن يكون المعجز الصرفة لا القرآن، وهو خلاف ما عليه إجماع المسلمين من قبل، (الثاني) أن التحدي وقع بالقرآن على كلالعرب فلو كان الإعجاز بالصرفة لكانت على خلاف المعتاد بالنسبة إلى كل واحد ضرورة تحقق الصرفة بالنسبة إليه، فيكون الإتيان بمثل كلام القرآن معتادا له، والمعتاد لكل ليس هو الكلام الفصيح بل خلافه، فيلزم أن يكون القرآن كذلك وليس كذلك.

(الثالث) أنه يستلزم أن يكون مثل القرآن معتادا من قبل، لتحقق الصرفة من بعد، فتجوز المعارضة بما وجد من كلامهم مثل القرآن قبلها، (الرابع) وهو خاص بمذهب المرتضى أنه لو كان الإعجاز بفقدهم العلوم لتناطقوا به، ولو تناطقوا لشاع إذ العادة جارية بالتحدث بالخوارق، فحيث لم يكن دل على فساد الصرفة بهذا الاعتبار، واستدل بعضهم على فساد القول بها بقوله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن الآية، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرهم، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم لأنه بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، ولا بأس بانضمامه إلى [ ص: 29 ] ما ذكرناه، وأما الاكتفاء به في الاستدلال فلا أظنك ترضاه، وقال الآمدي وغيره: الإعجاز بجملته وبالنظر إلى نظمه، وبلاغته، وإخباره عن الغيب، وارتضاه الكثير، وقولهم فيما قبل: لا نسلم المخالفة إلخ، يجاب عنه بأن ما ذكروه وإن كان على وزن الشعر إلا أنه لا يعد شعرا، ولا قائله شاعرا، لأن الشعر ما قصد وزنه، وحيث لا قصد لا شعر، وقد يعرض للبلغاء في سرد خطبهم المنسجمة مثل ذلك، بل قد يتفق لمن لا يعرف الشعر رأسا من العوام كلمات متزنة نحو قول السيد لعبده مثلا: ادخل السوق واشتر اللحم واطبخ، ولهذا قال الوليد - لما قرأ عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن، فكأنما رق له، فاقترح عليه أبو جهل أن يقول فيه ما يبلغ قومه أنه منكر له، وكاره -: (ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله، إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته)، وقولهم: إنا لو سلمنا إلخ، مسلم، لكن لا يلزم أن لا يكون مع البلاغة، والإخبار بالغيب معجزا، ومن هنا يعلم الجواب عن الاعتراض على أن وجه إعجازه بلاغته، على أن الأوجه الخمسة التي ذكروها فيه باطلة.

(أما الأول) فلأن التفاوت بين لمن تحدى به من البلغاء، ولذا لم يعارض، وغيرهم عم عن ذلك لقصوره في الصناعة، فلا اعتداد به، ولا مضرة لثبوت الإعجاز بعجز أولئك، ثم قياس أقصر سورة على ما ذكروه عدول عن سواء السبيل، (وأما الثاني) فلأن القدرة على البعض لا تستلزم القدرة على الكل، ولهذا نجد الكثير قادرا على بليغ فقرة أو فقرتين، أو بيت أو بيتين، ولا يقدر على وضع خطبة ولا نظم قصيدة.

(وأما الثالث) فلأن الصحابة لم يختلفوا فيما اختلفوا فيه أنه نازل على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ربه، أو أن بلاغته غير معجزة، ولكنهم اختلفوا في أنه قرآن، وذلك لا يضر فيما نحن بصدده.

(وأما الرابع) فلأن طلب البينة لما قدمناه في الفائدة السادسة، أو للوضع والترتيب كما قيل، أو لمزيد الاحتياط في الأمر الخطير، (وأما الخامس) فلأن المعجز يظهر في كل زمان من جنس ما يغلب، ويبلغ فيه الغاية القصوى، ويوقف فيه على الحد المعتاد، حتى إذا شوهد ما هو خارج عن الحد علم أنه من عند الله، وإلا لم يتحقق عند القوم معجزة النبي، ولظنوا أنهم لو كانوا من أهل تلك الصنعة أو متناهين فيها لأمكنهم أن يأتوا بمثلها، والبلاغة قد بلغت في ذلك العهد حدها، وكان فيها فخارهم حتى علقت السبع بباب الكعبة تحديا بمعارضتها، فلما أتى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بما عجزوا عن مثله مع كثرة المنازعة والتشاجر والافتراق علم أن ذلك من عند الله تعالى بلا ريب، واعتراضهم على كون الإخبار بالغيب معجزا مكابرة، فإن الإخبار عن الغائبات مع التكرر والإصابة غير معتاد، ولا معنى لكونه معجزا غير هذا، وما ذكروه من الوجه باطل.

(أما الأول) فلأنه لا يلزم من عدم كون الإصابة في المرة والمرتين من الخوارق أن لا تكون الإصابة في الكرات الكثيرة منها، والضابط العرف، ولا يخفى أن ما ورد من أخبار الغيب في القرآن مما يعد في نظر أهل العرف كثيرا لا تعتاد الإصابة فيه بجملته، (وأما الثاني) فلأن أخبار المنجمين ما كان كاذبا منها لا احتجاج، وما كان صادقا وتكررت الإصابة فيه كالكسوف والخسوف غير وارد، لأنه من الحساب المعتاد لمن يتعاطى [ ص: 30 ] صناعة التنجيم، وأخبار القرآن بالغيوب ليست كذلك، وأما أخبار الكهنة فالقول فيها كما في السحر.

(وأما الثالث) فلأن ما في التوراة من الإخبار بالغيب إن كان كثيرا خارقا للعادة ووقع التحدي به فهو أيضا معجز، وآية صدق لمن أتى به، ولا يضرنا التزام ذلك، (وأما الرابع) فلأنه لا يرد على من يقول: وجه الإعجاز مجموع ما تقدم أصلا، ومن يقول: وجهه مجرد الإخبار بالغيب، يقول بأن الخالي من ذلك غير معجز، وإنما الإعجاز في القرآن بجملته، ويكفي ذلك في غرضه، والاعتراض على كون وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول والامتداد بوجهيه مدفوع، (أما الأول) فلأن اشتمال القرآن على الشعر قد سبق جوابه فلا يناقض: وما علمناه الشعر وأما الآيتان الأولتان فقد أجاب عنهما ابن عباس حين سأله رجل عن آيات من هذا القبيل بأن نفي المسألة قبل النفخة الثانية، وإثباتها فيما بعد، والسدي بأن نفي المسألة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة، والجواز على الصراط، وإثباتها فيما عداها، وابن مسعود بأن المسألة المنفية طلب بعضهم العفو من بعض والمثبتة على ظاهر معناها، فلا منافاة، وأما الآيتان الأخرتان فمعنى الأولى منهما: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة الله أن تأتيهم سنة الأولين من نحو الخسف، أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة، ولا شك أن إرادة الله تعالى مانعة من وقوع ما ينافي المراد، فهذا حصر في السبب الحقيقي، ومعنى الثانية: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثة البشر رسولا، وهو مدلول القول التزاما، والدال لا يناسب المانعية، والمدلول ليس مانعا حقيقيا بل عادي لجواز وجود الإيمان معه، فهو حصر في المانع العادي، فلا تناقض، وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق.

وكذا لأمثاله مما يضيق عنه هذا المبحث، وأما الاختلاف المذكور فليس هو المنفي في قوله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لأن المراد به أحد أمرين: الأول: الاختلاف المناقض للبلاغة، والثاني: الاختلاف فيما أخبر عنه من قصص الماضين، وسير الأولين مع أمية من جاء به، وعدم دراسته للعلوم، ومطالعته للكتب، ولا شك أنه لم يوجد في القرآن شيء من هذه الاختلافات على أن أمثال بعض ما ذكر من الاختلاف ليس بقرآن، لأنه لم يتواتر، وأمثال البعض الآخر اختلاف مقال لاختلاف الأحوال والمرجع إلى جوهر واحد وهو التراب في خلق آدم مثلا، ومنه تدرجت تلك الأحوال، وأي ضرر في ذلك، وأما التكرار اللفظي والمعنوي فلا يخلو عن فائدة لا تحصل من غير تكرار، كبيان اتساع العبارة، وإظهار البلاغة وزيادة التأكيد، والمبالغة إلى غير ذلك، مما قد أمعن المفسرون في تحقيقه وبيانه، وستراه بحوله تعالى، وأما ما يتوهم فيه أنه من قبيل إيضاح الواضحات فليس يخلو عن درء احتمال، ورفع خيال، فإنه لو لم يقل فيما ذكر من الآية تلك عشرة كاملة لتوهم ولو على بعد أن المراد: وتمام سبعة إذا رجعتم، بل في ذلك غير هذا أسرار ستأتيك بعون باريك، وأما قول عثمان : (أن في القرآن لحنا) إلخ، فهو مشكل جدا إذ كيف يظن بالصحابة أولا اللحن في الكلام فضلا عن القرآن، وهم هم، ثم كيف يظن بهم ثانيا اجتماعهم على الخطإ وكتابته، ثم كيف يظن بهم ثالثا عدم التنبه، والرجوع، ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره، وكيف لتقيمه العرب ، وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه، وهم الخيار، فكيف يقيمه غيرهم، فلعمري إن هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة.

فالحق إن ذلك لا يصح عن عثمان ، والخبر ضعيف مضطرب منقطع، وقد أجابوا عنه بأجوبة لا أراها تقابل مؤنة نقلها، والذي أراه أن رواة هذا الخبر سمعوا شيئا، ولم يتقنوه، فحرفوه، فلزم الإشكال وحل الداء العضال، وهو ما روي بالسند عن عبد الله بن عبد الأعلى قال : لما فرغ من المصحف أتي به عثمان فنظر فيه، فقال: أحسنتم، وأجملتم، أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا، وهذا لا إشكال فيه، لأنه عرض عليه عقيب الفراغ من كتابته، فرأى فيه ما كتب [ ص: 31 ] على غير لسان قريش، ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم، ولم يترك فيه شيئا، ولا أحسبك في مرية من ذلك، نعم، يبقى ما روي بسند صحيح على شرط الشيخين عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى: إن هذان لساحران وعن قوله: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة وعن قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون فقالت: يا ابن أخي، هذا عمل الكتاب، أخطؤوا في الكتاب، وكذا ما روي عن سعيد بن جبير كان يقرأ: والمقيمين الصلاة ويقول: هو لحن من الكاتب، ويجاب عن الأول بأن معنى قولها: (أخطؤوا) أي في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه، لا أن الذي كتبوه من ذلك خطأ لا يجوز، فإن ما لا يجوز مردود، وإن طالت مدة وقوعه، وهذا الذي رأته عائشة، وكم لها من رأي رضي الله تعالى عنها، وعن الثاني بأن معنى قوله: (لحن من الكاتب) لغة وقراءة له، وفي الآية قراءة أخرى، وللنحويين في توجيه هذه القراءات كلام طويل ستسمعه فيما بعد إن شاء الله تعالى، وأما الوجه الثاني فلأن من ذهب إلى أن وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول والامتداد، يقول: القرآن بجملته معجز لذلك فسلامة كثير من الخطب والشعر من ذلك، وظهور ذلك كليا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار لا يضره شيئا، كما لا يخفى فتدبر.

وقد أطال العلماء الكلام على وجه إعجاز القرآن، وأتوا بوجوه شتى الكثير منها خواصه وفضائله، مثل الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، وأنه لا يمله تاليه، بل يزداد حبا له بالترديد، مع أن الكلام يعادى إذا أعيد، وكونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه، والذي يخطر بقلب هذا الفقير أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجز بالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب، وموافقته لقضية العقل، ودقيق المعنى، وقد يظهر كلها في آية، وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب، ولا ضير، ولا عيب، فما يبقى كاف، وفي الغرض واف.


نجوم سماء كلما انقض كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكب

أما بيان كون النظم معجزا، فلأن مراتب تأليف الكلام على ما قيل خمس: (الأولى) ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض، فتحصل الكلمات الثلاث الاسم والفعل والحرف و(الثانية) تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض، فتحصل الجمل المفيدة، وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم، ويقال له: المنثور، و(الثالثة) ضم ذلك إلى بعض ضما له مباد ومقاطع ومداخل ومخارج، ويقال له: المنظوم، و(الرابعة) أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له: المسجع، و(الخامسة) أن يحصل له مع ذلك وزن، ويقال له: إن قصد الشعر والمنظوم إما محاورة ويقال له: الخطابة، وإما مكاتبة، ويقال له: الرسالة، فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام، ولكل من ذلك نظم مخصوص، والقرآن جامع لمحاسن الجميع بنظم مكتس أبهى حلل، ومتعر عن كل خلل، ومشتمل على خواص ما شامها سواه، ومزايا ما سامها عند أهل النقد نظم إلا إياه.


من كل لفظ تكاد الأذن تجعله     ربا ويعبده القرطاس والقلم

ويؤيد ذلك أنه لا يصح أن يقال له: رسالة أو خطابة أو سجع، كما يصح أن يقال: هو كلام والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم بلا ترديد، وهذا مما لا خفاء فيه على الرجال حتى على الوليد، وأما بيان ذلك في البلاغة فهو أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في البيان متفاوتة، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجاري الطلق الرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، فالأول أعلاها، والثاني أوسطها، والثالث أدناها وأقربها، وقد حازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الأقسام أوفر حصة، وأخذت من كل نوع أعظم شعبة، فانتظم لها [ ص: 32 ] بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما كالمتضادين، فكان اجتماع الأمرين فيه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة ومنزلة جليلة، وقد خص بذلك القرآن كما لا يخفى على ذوي الفطر السليمة، ومن كان له في علم البلاغة إتقان، وأما بيان إعجاز اشتماله على الإخبار بالغيب فلأنه تضمن ما يحكم العرف بكثرته من أخبار القرون الماضية والأمم البادية والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك وتتبعه، فيورده القرآن على وجهه، ويأتي به على نصه، ومن المعلوم أن من أتى به أمي لا يقرأ ولا يكتب، صلى الله تعالى عليه وسلم، مع الإعلام بما في ضمائر كثيرين من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل، كقوله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقوله تعالى: ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله والإعلان بالحوادث المستقبلة في الأعصار الآتية كقوله تعالى : الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين وأخبار أقوام في قضايا أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله تعالى خطابا لليهود: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا فما تمناه أحد منهم إلى أضعاف مضاعفة من مثل ذلك، قد اشتمل القرآن عليها، واختص من بين الكتب بها، حتى إن أقصر سورة فيه وهي الكوثر تشير إلى أربعة أخبار عن الغيب مع أنها ثلاث آيات، (الأول) في قوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر إذا أريد به كما في بعض الروايات كثرة الأتباع، و(الثاني) في قوله: وانحر حيث أريد به كما هو الظاهر الأمر بالنحر، فهو إشارة إلى اليسار حتى يمكنه الإقدام عليه، و(الثالث والرابع) في قوله تعالى: إن شانئك هو الأبتر حيث صرح ورمز بأن شانئك لا أنت أبتر لا عقب له، فكان كما أخبر، ولا شك عند كل عاقل أن مجموع ما ذكرنا يعجز عنه البشر، وأما إعجاز موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى فلأنه اشتمل على توحيد الله تعالى، وتنزيهه، والدعاء إلى طاعته، وبيان طرق عبادته من تحليل، وتحريم، ووعظ، وتعليم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإشارة إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى أولى منه، ولا أليق، ولا يتصور أحرى من ذاك ولا أخلق، جامعا بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، مع إشارة أنيقة، ورموز دقيقة، وأسرار جزيلة، وحكم جليلة ستقف إن شاء الله تعالى على الكثير منها بحيث لا تبقى في شك من رد من يقول: بأن ذلك معتاد في أكثر كلام البلغاء، وأنه ينتقض بالتوراة والإنجيل، وبكلام الرسول الغير المعجز، فأين الثريا من يد المتناول.


وما كل مخضوب البنان بثينة     ولا كل مصقول الحديد يماني

فهذه الأوجه الأربعة هي الظاهرة في إعجاز القرآن، والمشهور عند الجمهور الاقتصار على بلاغته وفصاحته، حيث بلغت الرتبة العليا والغاية القصوى التي لم تكد تخفى على أهل هذا الشأن، حتى النساء كما يحكى أن الأصمعي وقف متعجبا من امرأة تنشد شعرا فقالت: أتعجب من هذا أين أنت من قوله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فقد جمع أمرين، ونهيين، وبشارتين، أي مع ما فيه مما يدرك بالذوق، وبعضهم جعل المدار النظم المخصوص والباقي تابع له قائلا: إن الإعجاز المتعلق بالفصاحة والبلاغة لا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، فإن الألفاظ ألفاظهم، كما قال تعالى: " قرآنا عربيا بلسان عربي " ولا بمعانيه فإن كثيرا منها موجود في الكتب المتقدمة كما قال تعالى: [ ص: 33 ] وإنه لفي زبر الأولين وما فيه من المعارف الإلهية وبيان المبدإ والمعاد، والإخبار بالغيب، فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكونه حاصلا من غير سبق تعليم، وتعلم، ولكون الإخبار بالغيب إخبارا بما لا يعتاد سواء كان بهذا النظم، أو بغيره، موردا بالعربية أو بلغة أخرى، بعبارة، أو إشارة، فإذا هو متعلق بالنظم المخصوص الذي هو صورة القرآن وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه، لا بعنصره، كالخاتم، والقرط، والسوار، إذا كان الكل من ذهب مثلا، فإن الاسم مختلف والعنصر واحد، وكالخاتم المتخذ من ذهب وفضة وحديد، يسمى خاتما، والعنصر مختلف، فظهر أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بنظمه المخصوص، وإعجاز نظمه قد سلف بيانه، وأنت تعلم ما فيه، وإن كان قريبا إلى الحق، وأبعد الأقوال عندي كونه بالصرفة المحضة حتى أن قول المرتضى فيها غير مرتضى كما لا يخفى على من أنصفه ذهنه، واتسع عطنه، وأبعد من ذلك كونه بالقدم، كما هو قريب ممن هو حديث عهد بما تقدم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام من بيان اختلاف الناس أيضا في تفاوت مراتب الفصاحة والبلاغة في آياته، ويتضح لك ما هو الحق الحقيقي بالقبول، والله تعالى المبتغى، والمسؤول ولنقتصر من الفوائد على هذا المقدار وفي السبعة ما لا يحصى من الأسرار، وهذا أوان تقبيل شفاه الأقلام حروف سبحان كلام الله تعالى العلام.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث