الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نسخ

[ ص: 124 ] ذكر ما يدل على النسخ

أخبرني عبد المنعم بن عبد الله بن محمد ، أخبرنا أبو بكر عبد الغفار بن محمد بن الحسين التاجر ، أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا الثقة ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن سهل بن سعد الساعدي ، قال بعضهم عن أبي بن كعب ، ووقفه بعضهم على سهل بن سعد ، قال : كان الماء من الماء شيئا في أول الإسلام ، ثم ترك ذلك بعد ، وأمروا بالغسل إذا مس الختان الختان .

[ ص: 125 ] وأخبرني أبو العلاء محمد بن جعفر الخازن ، أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التاجر في كتابه ، عن إسماعيل بن نيال ، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد التاجر ، أخبرنا موسى بن عيسى ، أخبرنا أحمد بن منيع ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن سهل بن سعد ، عن أبي بن كعب ، قال : إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم نهي عنها .

هذا حديث يختلف فيه عن الزهري ، فرواه يونس كما ذكرناه ، ورواه عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب قال : حدثني بعض من أرضى ، أن سهل بن سعد أخبره عن أبي ، ورواه معمر ، عن الزهري ، موقوفا على سهل بن سعد ، وروي بإسناد آخر موصول عن أبي حازم ، عن سهل ، عن أبي بن كعب .

ويشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم عن سهل .

وعلى الجملة الحديث محفوظ عن سهل عن أبي ، أخرجه أبو داود في كتابه .

قال الشافعي : وإنما بدأت بحديث أبي بن كعب في قوله : الماء من الماء ، ونزوعه : أن فيه دلالة على أنه سمع الماء من الماء من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع خلافه فقال به ، ثم لا أحسبه تركه إلا أنه ثبت له أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعده ما نسخه .

قرأت على أبي منصور محمد بن أحمد الدقاق ، أخبرك أبو طالب عبد القادر بن محمد ، أخبرنا أبو علي المذكر ، أخبرنا أحمد بن جعفر المالكي ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا رشدين بن سعد ، عن موسى بن أيوب الغافقي ، عن بعض ولد رافع بن خديج ، عن [ ص: 126 ] رافع بن خديج ، قال : ناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أنزل ، فاغتسلت وخرجت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أنزل ، فاغتسلت وخرجت ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا عليك ، الماء من الماء .

قال رافع : ثم أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك بالغسل
. هذا حديث حسن .

وقد ذكرنا حديث عائشة ، وسؤال أبي موسى ، وحديث أبي هريرة ، وهي أحاديث صحاح تشيد هذه الآثار .

وقد روى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن كعب ، عن محمود بن لبيد ، أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ، ثم يكسل ولا ينزل . فقال زيد : يغتسل . فقلت له : إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل . فقال زيد : إن أبيا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت .

فهذا أبي قد قال هذا ، وقد روى النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك ، فلا يجوز هذا عندنا ؛ إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قاله الشافعي .

[ ص: 127 ] وقد رواه هناد بن السري ، ومحمد بن بشار ، عن بندار ، وهما من الثقات ، عن عثمان بن عمر ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سهل قال : أخبرني أبي بن كعب قال : إنما كانت رخصة في أول الإسلام الماء بالماء ثم أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغسل بعد ذلك ؛ خرج الماء أو لم يخرج .

وأخبرني أبو طاهر روح بن بدر بن ثابت قراءة عليه ، أو قرأته عليه ، أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التاجر في كتابه ، عن أبي سعيد محمد بن موسى بن شاذان الصيرفي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أخبرنا الربيع بن سليمان المؤذن ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، أخبرني عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب أنه كان يقول : " ليس على من لم ينزل غسل " . ثم نزع عن ذلك أبي قبل أن يموت .

[ ص: 128 ] وفيما روي عن محمد بن يحيى الذهلي ، أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، أخبرني شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري قال : كان رجال من الأنصار - فيهم أبو أيوب ، وأبو سعيد الخدري - يفتون ( الماء من الماء ) ، ويقولون : إنه ليس على من مس امرأته غسل ما لم يمن . فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب ، ولعثمان بن عفان ، وعائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر ، أبوا تلك الفتيا ، وقالوا : إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل . وهذا يدل على أن أكثر من كان يرى الرخصة لما بلغهم النسخ نزعوا عن ذلك .

وروينا عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - نحوه .

[ ص: 129 ] ذكر خبر آخر يشيد ما ذهبنا إليه

أخبرت عن زاهر بن طاهر المستملي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون الزوزني ، أخبرنا أبو حاتم ، محمد بن حبان بن أحمد التميمي ، أخبرنا علي بن الحسين بن سليمان ، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة ، حدثنا أبو ضمرة ، حدثنا الحسين بن عمران ، عن الزهري قال : سألت عروة في الذي يجامع ولا ينزل ؟ قال : على الناس أن يأخذوا بالآخر فالآخر من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثتني عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك ولا يغتسل ، وذلك قبل فتح مكة ، ثم اغتسل بعد ذلك ، وأمر الناس بالغسل .

هذا حديث قد حكم أبو حاتم بن حبان بصحته ، وأخرجه في صحيحه ، غير أن الحسين بن عمران قد يأتي عن الزهري بالمناكير ، وقد ضعفه غير واحد من أصحاب الحديث . وعلى الجملة الحديث بهذا السياق فيه ما فيه ، لكنه حسن جيد في الاستشهاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث