الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المعاني المستنبطة من قوله تعالى " فعال لما يريد "

والآية تدل على أمور :

أحدها : أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته .

الثاني : أنه لم يزل كذلك ، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه ، وأن ذلك من كماله سبحانه ، ولا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات . وقد قال تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ( النحل : 17 ) . ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم يكن .

الثالث : أنه إذا أراد شيئا فعله ، فإن ما موصولة عامة ، أي : يفعل كل ما يريد أن يفعله ، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله . وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر : فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلا . وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية ، وخبطوا في مسألة القدر ، لغفلتهم عنها ، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله فاعلا ، وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى .

الرابع : أن فعله وإرادته متلازمان ، فما أراد أن يفعله فعله ، [ ص: 111 ] وما فعله فقد أراده . بخلاف المخلوق ، فإنه يريد ما لا يفعل ، وقد يفعل ما لا يريد . فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده .

الخامس : إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال ، وأن كل فعل له إرادة تخصه ، هذا هو المعقول في الفطر ، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد .

السادس : أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته جاز فعله ، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء ، وأن يري عباده نفسه ، وأن يتجلى لهم كيف شاء ، ويخاطبهم ، ويضحك إليهم ، وغير ذلك مما يريد سبحانه - لم يمتنع عليه فعله ، فإنه تعالى فعال لما يريد . وإنما يتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به ، فإذا أخبر وجب التصديق ، وكذلك محو ما يشاء ، وإثبات ما يشاء ، كل يوم هو في شأن ، سبحانه وتعالى .

والقول بأن الحوادث لها أول ، يلزم منه التعطيل قبل ذلك ، وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا . ولا يلزم من ذلك قدم العالم ، لأن كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود ، موجود بإيجاد الله تعالى له ، ليس له من نفسه إلا العدم ، والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى ، والله تعالى واجب الوجود لذاته ، غني لذاته ، والغنى وصف ذاتي لازم له سبحانه وتعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث