الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنبيهات في الوقف والابتداء

( عاشرها ) في الفرق بين الوقف والقطع والسكت [ ص: 239 ] هذه العبارات جرت عند كثير من المتقدمين مرادا بها الوقف غالبا ، ولا يريدون بها غير الوقف إلا مقيدة ، وأما عند المتأخرين وغيرهم من المحققين فإن القطع عندهم عبارة عن قطع القراءة رأسا ، فهو كالانتهاء فالقارئ به كالمعرض عن القراءة ، والمنتقل منها إلى حالة أخرى سوى القراءة كالذي يقطع على حزب ، أو ورد ، أو عشر ، أو في ركعة ، ثم يركع ، ونحو ذلك مما يؤذن بانقضاء القراءة والانتقال منها إلى حالة أخرى ، وهو الذي يستعاذ بعده للقراءة المستأنفة ، ولا يكون إلا على رأس آية ; لأن رءوس الآي في نفسها مقاطع .

( أخبرنا ) أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الفيروزابادي في آخرين مشافهة عن أبي الحسن علي بن أحمد السعدي ، أنا محمد بن أحمد الصيدلاني في كتابه عن الحسن بن أحمد الحداد ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الفضل ، أنا أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ، أخبرني أبو عمرو بن حيويه ، حدثنا أبو الحسن بن المنادي ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا الحسين بن محمد المروزي ، حدثنا خلف عن أبي سنان هو ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل أنه قال : إذا افتتح أحدكم آية يقرؤها فلا يقطعها حتى يتمها ، وأخبرتنا به أم محمد بنت محمد السعدية إذنا ، أخبرنا علي بن أحمد جدي ، عن أبي سعد الصفار ، حدثنا أبو القاسم بن طاهر ، أخبرنا أبو بكر الحافظ ، أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو منصور النضروي ، حدثنا أحمد بن نجدة ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا خلف بن خليفة ، حدثنا أبو سنان عن ابن أبي الهذيل قال : إذا قرأ أحدكم الآية فلا يقطعها حتى يتمها . قال الخزاعي : في هذا دليل على أنه لا يجوز قراءة بعض الآية في الصلاة حتى يتمها فيركع حينئذ - قال - فأما جواز ذلك لغير المصلي فمجمع عليه . قلت : كلام ابن الهذيل أعم من ذلك ودعوى الخزاعي الإجماع على الجواز لغير المصلي فيها نظر ، إذ لا فرق بين الحالتين والله تعالى أعلم .

( وقد ) أخبرتني به أسند من هذا الشيخة الصالحة أم محمد ست العرب ابنة [ ص: 240 ] محمد بن علي بن أحمد البخاري - رحمهما الله - فيما شافهتني به بمنزلها من الزاوية الأرموية بسفح قاسيون في سنة ست وستين وسبعمائة ، أخبرنا جدي أبو الحسن علي المذكور قراءة عليه وأنا حاضرة ، أخبرنا أبو سعد عبد الله بن عمر بن الصفار في كتابه ، أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي ، أنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحافظ ، أنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو منصور النضروي ، حدثنا أحمد بن نجدة ، أنا سعيد بن منصور ، حدثنا أبو الأحوص عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل قال : كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعوا بعضها . وهذا أعم من أن يكون في الصلاة ، أو خارجها ، وعبد الله بن أبي الهذيل هذا تابعي كبير ، وقوله كانوا : يدل على أن الصحابة كانوا يكرهون ذلك والله تعالى أعلم .

والوقف : عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمنا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة إما بما يلي الحرف الموقوف عليه ، أو بما قبله كما تقدم جوازه في أقسامه الثلاثة لا بنية الإعراض ، وتنبغي البسملة معه في فواتح السور كما سيأتي ويأتي في رءوس الآي وأوساطها ، ولا يأتي في وسط كلمة ، ولا فيما اتصل رسما كما سيأتي ، ولا بد من التنفس معه كما سنوضحه .

والسكت : هو عبارة عن قطع الصوت زمنا هو دون زمن الوقف عادة من غير تنفس ، وقد اختلفت ألفاظ أئمتنا في التأدية عنه بما يدل على طول السكت وقصره فقال : أصحاب سليم عنه عن حمزة في السكت على الساكن قبل الهمز : سكتة يسيرة ، وقال جعفر الوزان عن علي بن سليم عن خلاد : لم يكن يسكت على السواكن كثيرا ، وقال الأشناني : سكتة قصيرة . وقال قتيبة عن الكسائي : سكت سكتة مختلسة من غير إشباع ، وقال النقار عن الخياط : يعني الشموني عن الأعشى تسكت حتى تظن أنك نسيت ما بعد الحرف ، وقال أبو الحسن طاهر بن غلبون : وقفة يسيرة ، وقال مكي : وقفة خفيفة ، وقال ابن شريح : وقيفة ، وقال أبو العز : بسكتة يسيرة هي أكثر من سكت القاضي عن رويس وقال الحافظ [ ص: 241 ] أبو العلاء : يسكت حمزة والأعشى وابن ذكوان من طريق العلوي والنهاوندي عن قتيبة من غير قطع نفس وأتمهم سكتة حمزة والأعشى ، وقال أبو محمد سبط الخياط : حمزة وقتيبة يقفان وقفة يسيرة من غير مهلة وقال أبو القاسم الشاطبي سكتا مقللا ، وقال الداني : سكتة لطيفة من غير قطع ، وهذا لفظه أيضا في السكت بين السورتين من جامع البيان قال فيه ابن شريح بسكتة خفيفة . وقال ابن الفحام : سكتة خفيفة . وقال أبو العز : مع سكتة يسيرة . وقال أبو محمد في المبهج : وقفة تؤذن بإسرارها ، أي : بإسرار البسملة ، وهذا يدل على المهلة وقال الشاطبي :

وسكتهم المختار دون تنفس

وقال أيضا

وسكتة حفص دون قطع لطيفة

. وقال الداني في ذلك بسكتة لطيفة من غير قطع . وقال ابن شريح وقيفة ، وقال أبو العلاء وقيفة . وقال ابن غلبون بوقفة خفيفة ، وكذا قال المهدوي ، وقال ابن الفحام : سكتة خفيفة ، وقال القلانسي : في سكت أبي جعفر على حروف الهجاء : يفصل بين كل حرف منها بسكتة يسيرة ، وكذا قال الهمذاني ، وقال أبو العز : ويقف على : ص ، و " ق " ، و " ن " وقفة يسيرة ، وقال الحافظ أبو عمرو في الجامع : واختياري فيمن ترك الفصل سوى حمزة أن يسكت القارئ على آخر السورة بسكتة خفيفة من غير قطع شديدة . فقد اجتمعت ألفاظهم على أن السكت زمنه دون زمن الوقف عادة وهم في مقداره بحسب مذاهبهم في التحقيق والحدر والتوسط حسبما تحكم المشافهة ، وأما تقييدهم بكونه دون تنفس فقد اختلف أيضا في المراد به آراء بعض المتأخرين فقال الحافظ أبو شامة : الإشارة بقولهم دون تنفس إلى عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة ، وقال الجعبري : قطع الصوت زمانا قليلا أقصر من زمن إخراج النفس ; لأنه إن طال صار وقفا يوجب البسملة . وقال الأستاذ ابن بصخان : أي دون مهلة وليس المراد بالتنفس هنا إخراج النفس بدليل أن القارئ إذا أخرج نفسه مع السكت بدون مهلة لم يمنع من ذلك فدل على أن التنفس هنا بمعنى المهلة . وقال ابن جبارة : دون تنفس يحتمل معنيين أحدهما سكوت يقصد به الفصل بين السورتين [ ص: 242 ] لا السكوت الذي يقصد به القارئ التنفس ، ويحتمل أن يراد به سكوت دون السكوت لأجل التنفس ، أي : أقصر منه ، أي : دونه في المنزلة والقصر ، ولكن يحتاج إذا حمل الكلام على هذا المعنى أن يعلم مقدار السكوت لأجل التنفس حتى يجعل هذا دونه في القصر . قال : ويعلم ذلك بالعادة وعرف القراء .

( قلت ) : الصواب حمل دون من قولهم : دون تنفس أن تكون بمعنى غير كما دلت عليه نصوص المتقدمين وما أجمع عليه أهل الأداء من المحققين من أن السكت لا يكون إلا مع عدم التنفس سواء قل زمنه أو كثر ، وإن حمله على معنى أقل خطأ ، وإنما كان هذا صوابا لوجوده ( أحدها ) ما تقدم من النص عن الأعشى تسكت حتى يظن أنك قد نسيت ، وهذا صريح في أن زمنه أكثر من زمن إخراج النفس وغيره ، ( وثانيها ) قول صاحب المبهج : سكتة تؤذن بإسرارها . أي : بإسرار البسملة ، والزمن الذي يؤذن بإسرار البسملة أكثر من إخراج النفس بلا نظر ، ( ثالثها ) أنه إذا جعل بمعنى أقل فلا بد من تقديره كما قدروه بقولهم : أقل من زمان إخراج النفس ، ونحو ذلك وعدم التقدير أولى ، ( رابعها ) أن تقدير ذلك على الوجه المذكور لا يصح ; لأن زمن إخراج النفس ، وإن قل لا يكون أقل من زمن قليل السكت والاختيار يبين ذلك ، ( خامسها ) أن التنفس على الساكن في نحو : الأرض ، والآخرة ، وقرآن ، و ( مسئولا ) ممنوع اتفاقا كما لا يجوز التنفس على الساكن في نحو : والبارئ ، وفرقان ، و ( مسحورا ) ، إذ التنفس في وسط الكلمة لا يجوز ، ولا فرق بين أن يكون بين سكون وحركة ، أو بين حركتين ، وأما استدلال ابن بصخان بأن القارئ إذا أخرج نفسه مع السكت بدون مهلة لم يمنع من ذلك ، فإن ذلك ليس على إطلاقه ، فإنه إذا أراد مطلق السكت ، فإنه يمنع من ذلك إجماعا ، إذ لا يجوز التنفس في أثناء الكلم كما قدمنا ، وإن أراد السكت بين السورتين من حيث أن كلامه فيه ، وإن ذلك جائز باعتبار أن أواخر السور في نفسها تمام يجوز القطع عليها والوقف . فلا محذور من التنفس عليها [ ص: 243 ] نعم لا يخرج وجه السكت مع التنفس ، فلو تنفس القارئ آخر سورة لصاحب السكت ، أو على ( عوجا ، و مرقدنا ) لحفص من غير مهلة . لم يكن ساكنا ، ولا واقفا ، إذ الوقف يشترط فيه التنفس مع المهلة ، والسكت لا يكون معه تنفس فاعلم ذلك ، وإن كان لا يفهم من كلام أبي شامة ، ومن تبعه .

( خاتمة ) الصحيح أن السكت مقيد بالسماع والنقل ، فلا يجوز إلا فيما صحت الرواية به لمعنى مقصود بذاته ، وذهب ابن سعدان فيما حكاه عن أبي عمرو وأبو بكر بن مجاهد فيما حكاه عنه أبو الفضل الخزاعي إلى أنه جائز في رءوس الآي مطلقا حالة الوصل لقصد البيان وحمل بعضهم الحديث الوارد على ذلك ، وإذا صح حمل ذلك جاز ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث