الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد "

[ ص: 1209 ] يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ( 15 ) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ( 16 ) وما ذلك على الله بعزيز ( 17 ) ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير ( 18 ) وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ( 19 ) إن أنت إلا نذير ( 20 ) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ( 21 ) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ( 22 ) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير ( 23 )

ثم ذكر - سبحانه - افتقار خلقه إليه ، ومزيد حاجتهم إلى فضله ، فقال : ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله أي : المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا ، فهم الفقراء إليه على الإطلاق والله هو الغني على الإطلاق الحميد أي : المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم .

ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه واستغناؤه عنهم ، فقال : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد أي : إن يشأ يفنكم ويأت بدلكم بخلق جديد يطيعونه ولا يعصونه ، أو يأت بنوع من أنواع الخلق وعالم من العالم غير ما تعرفون .

وما ذلك إلا ذهاب لكم ، والإتيان بآخرين على الله بعزيز أي : بممتنع ولا متعسر ، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم .

ولا تزر وازرة وزر أخرى أي : نفس وازرة فحذف الموصوف للعلم به ، ومعنى تزر : تحمل .

والمعنى : لا تحمل نفس حمل نفس أخرى أي : إثمها بل كل نفس تحمل وزرها ، ولا تخالف هذه الآية قوله : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [ العنكبوت : 13 ] لأنهم إنما حملوا أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم ، والكل من أوزارهم ، لا من أوزار غيرهم ، ومثل هذا حديث من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة فإن الذي سن السنة السيئة إنما حمل وزر سنته السيئة ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى وإن تدع مثقلة إلى حملها قال الفراء أي : نفس مثقلة ، قال : وهذا يقع للمذكر والمؤنث .

قال الأخفش أي : وإن تدع مثقلة إنسانا إلى حملها ، وهو ذنوبها لا يحمل منه أي : من حملها شيء ولو كان ذا قربى أي : ولو كان الذي تدعوه ذا قرابة لها ، لم يحمل من حملها شيئا .

ومعنى الآية : وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسا أخرى إلى حمل شيء من ذنوبها معها لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئا ، ولو كانت قريبة لها في النسب ، فكيف بغيرها مما لا قرابة بينها وبين الداعية لها ؟ وقرئ " ذو قربى " على أن كان تامة ، كقوله : وإن كان ذو عسرة [ البقرة : 280 ] وجملة إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب مستأنفة مسوقة لبيان من يتعظ بالإنذار ، ومعنى يخشون ربهم بالغيب أنهم يخشونه حال كونهم غائبين عن عذابه أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم ، أو يخشونه في الخلوات عن الناس .

قال الزجاج : تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم ، فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ينفعهم الإنذار ، كقوله : إنما أنت منذر من يخشاها [ النازعات : 45 ] وقوله : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب [ يس : 11 ] ومعنى وأقاموا الصلاة أنهم احتفلوا بأمرها ، ولم يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه التزكي : التطهر من أدناس الشرك والفواحش ، والمعنى : أن من تطهر بترك المعاصي واستكثر من العمل الصالح فإنما يتطهر لنفسه ، لأن نفع ذلك مختص به كما أن وزر من تدنس لا يكون إلا عليه لا على غيره .

قرأ الجمهور ومن تزكى فإنما يتزكى وقرأ أبو عمرو " يزكى " بإدغام التاء في الزاي : وقرأ ابن مسعود وطلحة " ومن ازكى فإنما يزكى " . وإلى الله المصير لا إلى غيره ، ذكر - سبحانه - أولا : أنه لا يحمل أحد ذنب أحد ، ثم ذكر ثانيا : أن المذنب إن دعا غيره ، ولو كان من قرابته إلى حمل شيء من ذنوبه لا يحمله ، ثم ذكر ثالثا : أن ثواب الطاعة مختص بفاعلها ليس لغيره منه شيء .

ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر فقال : وما يستوي الأعمى أي : المسلوب حاسة البصر والبصير الذي له ملكة البصر ، فشبه الكافر بالأعمى ، وشبه المؤمن بالبصير .

ولا الظلمات ولا النور أي : ولا تستوي الظلمات ولا النور ، فشبه الباطل بالظلمات ، وشبه الحق بالنور .

قال الأخفش : ولا في قوله ولا النور ، ولا الحرور زائدة ، والتقدير وما يستوي الظلمات والنور ولا الظل والحرور ، والحرور شدة حر الشمس .

قال الأخفش : والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار ، والسموم يكون بالليل ، وقيل : عكسه .

وقال رؤبة بن العجاج : الحرور يكون بالليل خاصة ، والسموم يكون بالنهار خاصة .

وقال الفراء : السموم لا يكون إلا بالنهار ، والحرور يكون فيهما . قال النحاس : وهذا أصح .

وقال قطرب : الحرور الحر ، والظل البرد ، والمعنى : أنه لا يستوي الظل الذي لا حر فيه ولا أذى ، والحر الذي يؤذي .

قيل : أراد الثواب والعقاب ، وسمي الحر حرورا مبالغة في شدة الحر ، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى .

وقال الكلبي : أراد بالظل الجنة ، وبالحرور النار .

وقال عطاء : يعني ظل الليل وشمس النهار .

قيل : وإنما جمع الظلمات وأفرد النور لتعدد فنون الباطل واتحاد الحق .

ثم ذكر - سبحانه - تمثيلا آخر للمؤمن والكافر فقال : وما يستوي الأحياء ولا الأموات فشبه المؤمنين بالأحياء ، وشبه الكافرين بالأموات ، وقيل : أراد تمثيل العلماء والجهلة .

وقال ابن قتيبة : الأحياء العقلاء ، والأموات الجهال .

قال قتادة : هذه كلها أمثال أي : كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن إن الله يسمع من يشاء أن يسمعه من أوليائه الذي خلقهم لجنته ووفقهم لطاعته وما أنت بمسمع من في القبور يعني الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم : أي : كما لا تسمع من مات كذلك لا تسمع [ ص: 1210 ] من مات قلبه ، قرأ الجمهور بتنوين مسمع وقطعه عن الإضافة .

وقرأ الحسن ، وعيسى الثقفي ، وعمرو بن ميمون بإضافته إن أنت إلا نذير أي : ما أنت إلا رسول منذر ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ ، والهدى والضلالة بيد الله - عز وجل - .

إنا أرسلناك بالحق يحوز أن يكون بالحق في محل نصب على الحال من الفاعل أي : محقين ، أو من المفعول أي : محقا ، أو نعتا لمصدر محذوف أي : إرسالا ملتبسا بالحق ، أو هو متعلق بـ بشيرا أي : بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعد الحق ، والأولى : أن يكون نعتا للمصدر المحذوف ، ويكون معنى بشيرا : بشيرا لأهل الطاعة ونذيرا لأهل المعصية وإن من أمة إلا خلا فيها نذير أي : ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها ، واقتصر على ذكر النذير دون البشير ، لأنه ألصق بالمقام .

ثم سلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعزاه ، فقال : وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم أي : كذب من قبلهم من الأمم الماضية أنبياءهم جاءتهم رسلهم بالبينات أي : بالمعجزات الواضحة والدلالات الظاهرة وبالزبر أي : الكتب المكتوبة كصحف إبراهيم وبالكتاب المنير كالتوراة والإنجيل ، قيل : الكتاب المنير داخل تحت الزبر وتحت البينات والعطف لتغاير المفهومات ، وإن كانت متحدة في الصدق ، والأولى تخصيص البينات بالمعجزات ، والزبر بالكتب التي فيها مواعظ ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام .

ثم أخذت الذين كفروا وضع الظاهر موضع الضمير يفيد التصريح بذمهم بما في حيز الصلة ، ويشعر بعلة الأخذ فكيف كان نكير أي : فكيف كان نكيري عليهم وعقوبتي لهم ، وقرأ ورش عن نافع ، وشيبة بإثبات الياء في " نكير " وصلا ولا وقفا ، وقد مضى بيان معنى هذا قريبا .

وقد أخرج أحمد ، والترمذي وصححه ، والنسائي ، وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال في حجة الوداع : ألا لا يجني جان إلا على نفسه ، لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده .

وأخرج سعيد بن منصور ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن أبي رمثة ، قال : انطلقت مع أبي نحو رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فلما رأيته قال لأبي : ابنك هذا ؟ قال : أي ورب الكعبة ، قال : أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا تزر وازرة وزر أخرى .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء قال : يكون عليه وزر لا يجد أحدا يحمل عنه من وزره شيئا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث