الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر

جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثالث

3381 - عن هلال بن أسامة ، عن أبي ميمونة سليمان مولى لأهل المدينة ، قال : بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية ، معها ابن لها ، وقد طلقها زوجها ، فادعياه ، فرطنت له تقول : يا أبا هريرة زوجي يريد أن يذهب بابني . فقال أبو هريرة : استهما عليه . رطن لها بذلك . فجاء زوجها ، وقال : من يحاقني في ابني ؟ فقال أبو هريرة : اللهم إني لا أقول هذا إلا أني كنت قاعدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتته امرأة ، فقالت : يا رسول الله ! إن زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة - وعند النسائي : من عذب الماء - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " استهما عليه " . فقال زوجها من يحاقني في ولدي ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذا أبوك وهذه أمك ، فخذ بيد أيهما شئت " . فأخذ بيد أمه . رواه أبو داود ، والنسائي ورواه الدارمي عن هلال بن أسامة .

التالي السابق


الفصل الثالث

3381 - ( عن هلال بن أسامة ، عن أبي ميمونة سليمان ) : بالتصغير ، كذا وقع في جميع نسخ المشكاة . وفي هامش أصل السيد : صوابه سلمان أي بالفتح والسكون ( مولى لأهل المدينة ) قال في التقريب : أبو ميمونة الفارسي المدني الأوبار ، قيل : اسمه سليم أو سلمان ، وقيل : أسامة ، ثقة من الثامنة ، ومنهم من فرق بين الفارسي والأوبار ، وكل منهما مدني يروي عن أبي بريدة . قال : وفي نسخة صحيحة عن هلال بن أبي ميمونة أن أباه . قال المؤلف : هو الهلال بن علي بن أسامة منسوب إلى جده ، وهو هلال بن أبي ميمونة الفهري ذكره في التابعين اهـ .

قيل : وفي عبارة أبي داود ، عن هلال بن أسامة أن أبا ميمونة سلمان مولى من أهل المدينة . قال : وفي جامع الأصول : عن هلال بن أبي ميمونة ، وقيل أسامة ، وستأتي عبارة النسائي ، والحاصل أن أبا ميمونة قال : ( بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية ) ، بكسر الراء أي عجمية ( معها ابن لها وقد طلقها زوجها ، فادعياه ) ، أي ادعى كل منهما الابن ( فرطنت ) في النهاية : الرطانة بفتح الراء وكسرها ، والتراطن كلام لا يفهمه الجمهور ، وإنما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة ، والعرب تخص بالرطانة غالب كلام العجم ، وفي الصحاح : رطنت له إذا كلمته بالعجمية ، فالمعنى تكلمت بالفارسية ( له ) : أي لأبي هريرة ( تقول ) : أي المرأة ما معناه بالعربية ( يا أبا هريرة : زوجي يريد أن يذهب بابني ) أي يأخذه مني ويصحبه ( فقال أبو هريرة : استهما عليه ) : أي على الابن ، والمعنى : اقترعي أنت وأبوه ، ففيه تغليب الحاضر على الغائب ( رطن ) : أي أبو هريرة أو مترجمه ( لها ) : أي للمرأة ( بذلك ) . أي بما قاله أبو هريرة ( فجاء زوجها ) : أي فتقدم للخصومة ( وقال : من يحاقني ) : بالحاء المهملة والقاف المشددة أي من ينازعني ( في ابني ) ؟ أي في حقه ( فقال أبو هريرة : اللهم إني لا أقول هذا ) : أي هذا القول وهذا الحكم ( إلا أني ) : بفتح الهمزة أي لأني ( كنت قاعدا مع رسول الله - عليه الصلاة والسلام - فأتته امرأة فقالت : يا رسول الله ! إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة ) : بعين مهملة مكسورة فنون مفتوحة فموحدة ( وعند النسائي ) : أي في رواية عنده ، ( من عذب الماء ) : من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي الماء العذب وهو الحلو ( قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام - : " استهما عليه " . فقال زوجها : من يحاقني في ولدي ؟ فقال رسول الله - عليه الصلاة والسلام - : أي للولد ( هذا أبوك ، وهذه أمك ، فخذ بيد أيهما شئت ) فأخذ بيد أمه . رواه أبو داود ، والنسائي ، والدارمي .

وفي نسخة بدل والدارمي ( لكنه ) : أي النسائي ( ذكر المسند ) . أي دون الموقوف ، فإن عبارة النسائي هكذا أخبرنا محمد بن الأعلى ، حدثنا خالد ، حدثنا ابن جريج ، أخبرنا زياد ، عن هلال بن أسامة ، عن أبي ميمونة ، قال : بينما أنا عند أبي هريرة فقال : إن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : فداك أبي وأمي ، زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد [ ص: 2212 ] نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة ، فجاء زوجها فقال : من يقاسمني في ابني ؟ فقال : ( يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت ) فأخذ بيد أمه ، فانطلقت به .

قال ابن الهمام : أخرج حديث أبي هريرة الأربعة ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، ولأبي داود ، والنسائي فيه قصة لأبي هريرة قبل أن يروي الحديث حاصلها ، أنه خير غلاما في واقعة رفعت إليه ، ثم روى الحديث : ولفظه : سمعت امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا قاعد عنده فقالت : يا رسول الله ! إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة ، وقد نفعني ، فقال رسول الله - عليه الصلاة والسلام - : ( استهما عليه ) . فقال زوجها : من يحاقني في ولدي ، فقال عليه الصلاة السلام : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت ) . فأخذ بيد أمه ، فانطلقت ، فاستدل المصنف ، يعني صاحب الهداية بالمعنى على عدم التخيير وهو ظاهر . وأجاب عن الحديث بوجهين : أحدهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - دعا أن يوفق لاختيار الأنظر على ما رواه أبو داود في الطلاق ، والنسائي في الفرائض عند عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته ، فجاء بابن لهما - ابن له - صغير لم يبلغ ، فأجلس النبي - عليه الصلاة والسلام - الأب هنا والأم هنا ثم خيره وقال : ( اللهم اهده لأبيه ) . وفي لفظ آخر : أنه أسلم وأبت أمه أن تسلم ، فأتت النبي - عليه الصلاة والسلام - فقالت : ابنتي وهي فطيم ، وقال رافع : ابنتي ، فأقعد النبي - عليه الصلاة والسلام - الأم ناحية والأب ناحية وأقعدها ناحية وقال لهما : ( ادعواها ) فمالت الصبية إلى أمها . فقال النبي - عليه الصلاة والسلام - : ( اللهم اهدها ) فمالت إلى أبيها فأخذها . وأخرجه الدارقطني وسمى البنت عميرة . وأخرج ابن ماجه والنسائي في سننه أن أبوين اختصما في ولد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحدهما كافر ، فخيره النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوجه إلى الكافر فقال : ( اللهم اهده ) . فتوجه إلى المسلم ، فقضى له به . ثانيهما : أنه كان بالغا بدليل الاستقاء من بئر أبي عنبة ، ومن هو دون البلوغ لا يرسل إلى الآبار للاستقاء للخوف عليه من السقوط فيه لقلة عقله وتحجزه عنه غالبا ، ونحن نقول : إذا بلغ فهو مخير بين أن ينفرد بالسكن ، وبين أن يكون عند أيهما أراد إلا أن يبلغ سفيها مفسدا ، فحينئذ يضمه إلى نفسه اعتبارا لنفسه بماله ، ولهذا صح أن الصحابة لم يخيروا على ما تقدم من قصة عمر مع أبي بكر ، وأما ما أسند عبد الرزاق عن عمر ، أنه خير ابنا فاختار أمه ، فانطلقت به ، فمحمول على أنه عرف ميل الابن إلى أمه ، وهي في الواقع أحق بحضانته ، فأحب تطيب قلب الأب من غير مخالفة للشرع ، ويدل عليه ما تقدم من أنه لم يراجع أبا بكر الكلام ، والجواب : أن عدم المراجعة ليس دليلا ; لأن أبا بكر كان إماما يجب نفاذ ما حكم به رأيه ، وإن خالف رأي المحكوم عليه ، فالوجه ما ذكرنا ليوافق المروي عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - مما قدمناه أول الباب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث