الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الثالث في محلها

الثالث في محلها

وهو قبل القراءة إجماعا ، ولا يصح قول بخلافه ، عن أحد ممن يعتبر قوله ، وإنما آفة العلم التقليد ، قد نسب إلى حمزة وأبي حاتم ، ونقل عن أبي هريرة [ ص: 255 ] رضي الله عنه ، وابن سيرين وإبراهيم النخعي ، وحكي عن مالك ، 55 وذكر أنه مذهب داود بن علي الظاهري وجماعته عملا بظاهر الآية وهو : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله فدل على أن الاستعاذة بعد القراءة . وحكي قول آخر ، وهو الاستعاذة قبل وبعد . ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره ، ولا يصح شيء في هذا عمن نقل عنه ، ولا ما استدل به لهم ، أما حمزة وأبو حاتم فالذي ذكر ذلك عنهم هو أبو القاسم الهذلي ، فقال في كامله : قال حمزة في رواية ابن قلوقا : إنما يتعوذ بعد الفراغ من القرآن ، وبه قال أبو حاتم .

( قلت : ) أما رواية ابن قلوقا ، عن حمزة فهي منقطعة في الكامل لا يصح إسنادها ، وكل من ذكر هذه الرواية عن حمزة من الأئمة كالحافظين أبي عمرو الداني وأبي العلاء الهمداني وأبي طاهر بن سوار وأبي محمد سبط الخياط ، وغيرهم - لم يذكروا ذلك عنه ، ولا عرجوا عليه ، وأما أبو حاتم فإن الذين ذكروا روايته واختياره كابن سوار وابن مهران وأبي معشر الطبري والإمام أبي محمد البغوي ، وغيرهم - لم يذكروا شيئا ، ولا حكوه ، وأما أبو هريرة فالذي نقل عنه رواه الشافعي في مسنده : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، عن ربيعة بن عثمان ، عن صالح بن أبي صالح أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعا صوته ( ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم ) في المكتوبة إذا فرغ من أم القرآن . وهذا الإسناد لا يحتج به ; لأن إبراهيم بن محمد هو الأسلمي ، وقد أجمع أهل النقل والحديث على ضعفه ولم يوثقه سوى الشافعي . قال أبو داود : كان قدريا رافضيا مأبونا كل بلاء فيه ، وصالح بن أبي صالح الكوفي ضعيف واه ، وعلى تقدير صحته لا يدل على الاستعاذة بعد القراءة ، بل يدل أنه كان يستعيذ إذا فرغ من أم القرآن ، أي للسورة الأخرى ، وذلك واضح . فأما أبو هريرة هو ممن عرف بالجهر بالاستعاذة ، وأما ابن سيرين والنخعي فلا يصح عن واحد منهما عند أهل النقل ، وأما مالك فقد حكاه عنه القاضي أبو بكر بن العربي في المجموعة ، وكفى في الرد والشناعة على قائله ، وأما داود وأصحابه ، فهذه كتبهم موجودة [ ص: 256 ] لا تعد كثرة ، لم يذكر فيها أحد شيئا من ذلك . ونص ابن حزم إمام أهل الظاهر على التعوذ قبل القراءة ولم يذكر غير ذلك ( وأما الاستدلال ) بظاهر الآية فغير صحيح ، بل هي جارية على أصل لسان العرب وعرفه ، وتقديرها عند الجمهور : إذا أردت القراءة فاستعذ ، وهو كقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وكقوله - صلى الله عليه وسلم - : من أتى الجمعة فليغتسل ، وعندي أن الأحسن في تقديرها : إذا ابتدأت وشرعت ، كما في حديث جبريل - عليه السلام - : فصلى الصبح حين طلع الفجر . أي : أخذ في الصلاة عند طلوعه ، ولا يمكن القول بغير ذلك . وهذا بخلاف قوله في الحديث : ثم صلاها بالغد بعد أن أسفر . فإن الصحيح أن المراد بهذا الابتداء ، خلافا لمن قال : إن المراد الانتهاء .

ثم إن المعنى الذي شرعت الاستعاذة له يقتضي أن تكون قبل القراءة ؛ لأنها طهارة الفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له ، وتهيؤ لتلاوة كلام الله تعالى ، فهي التجاء إلى الله تعالى ، واعتصام بجنابه من خلل يطرأ عليه ، أو خطأ يحصل منه في القراءة وغيرها وإقرار له بالقدرة ، واعتراف للعبد بالضعف والعجز عن هذا العدو الباطن الذي لا يقدر على دفعه ومنعه إلا الله الذي خلقه ، فهو لا يقبل مصانعة ، ولا يدارى بإحسان ، ولا يقبل رشوة ، ولا يؤثر فيه جميل ، بخلاف العدو الظاهر من جنس الإنسان كما دلت عليه الآي الثلاث من القرآن التي أرشد فيها إلى رد العدو الإنساني ، فقال تعالى في الأعراف : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فهذا ما يتعلق بالعدو الإنساني ، ثم قال : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله الآية ، وقال في " المؤمنون " ادفع بالتي هي أحسن السيئة ثم قال : وقل رب أعوذ بك الآية ، وقال في فصلت ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة الآيات ، وقلت في ذلك وفيه أحسن الاكتفاء وأملح الاقتفاء :

[ ص: 257 ]

شيطاننا المغوي عدو فاعتصم بالله منه والتجي وتعوذ     وعدوك الإنسي دار وداده
تملكه وادفع بالتي فإذا الذي

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث