الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل شهادة المستمع إلى الملاهي

جزء التالي صفحة
السابق

( 8365 ) فصل : في الملاهي : وهي على ثلاثة أضرب ; محرم ، وهو ضرب الأوتار والنايات ، والمزامير كلها ، والعود ، والطنبور ، والمعزفة ، والرباب ، ونحوها ، فمن أدام استماعها ، ردت شهادته ; لأنه يروى عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا ظهرت في أمتي خمس عشرة خصلة ، حل بهم البلاء } . فذكر منها إظهار المعازف والملاهي . وقال سعيد : ثنا فرج بن فضالة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الله بعثني رحمة للعالمين ، وأمرني بمحق المعازف والمزامير ، لا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا تعليمهن ولا التجارة فيهن ، وثمنهن حرام } . يعني الضاربات .

وروى نافع ، قال : { سمع ابن عمر مزمارا ، قال : فوضع إصبعيه في أذنيه ، ونأى عن الطريق ، وقال لي : يا نافع ، هل تسمع شيئا ؟ قال : فقلت : لا . قال : فرفع إصبعيه من أذنيه ، وقال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا ، فصنع مثل هذا } . رواه الخلال ، في " جامعه " من طريقين ، ورواه أبو داود في " سننه " ، وقال : حديث منكر . وقد احتج قوم بهذا الخبر على إباحة المزمار ، وقالوا : لو كان حراما لمنع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر من سماعه ، ومنع ابن عمر نافعا من استماعه ، ولأنكر على الزامر بها . قلنا : أما الأول فلا يصح ; لأن المحرم استماعها دون سماعها ، والاستماع غير السماع ، ولهذا فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع ، ولم يوجبوا على من سمع شيئا محرما سد أذنيه ، وقال الله تعالى : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } . ولم يقل : سدوا آذانهم .

والمستمع هو الذي يقصد السماع ، ولم يوجد هذا من ابن عمر ، وإنما وجد منه السماع ; ولأن بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت عنه ; لأنه عدل عن الطريق ، وسد أذنيه ، فلم يكن ليرجع إلى الطريق ، ولا يرفع إصبعيه عن أذنيه ، حتى ينقطع الصوت عنه ، فأبيح للحاجة . [ ص: 174 ] وأما الإنكار ، فلعله كان في أول الهجرة ، حين لم يكن الإنكار واجبا ، أو قبل إمكان الإنكار ; لكثرة الكفار ، وقلة أهل الإسلام . فإن قيل : فهذا الخبر ضعيف ، فإن أبا داود رواه ، وقال : هو حديث منكر . قلنا : قد رواه الخلال بإسناده من طريقين ، فلعل أبا داود ضعفه لأنه لم يقع له إلا من إحدى الطريقين .

وضرب مباح ; وهو الدف ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أعلنوا النكاح ، واضربوا عليه بالدف } . أخرجه مسلم . وذكر أصحابنا ، وأصحاب الشافعي ، أنه مكروه في غير النكاح ; لأنه يروى عن عمر ، أنه كان إذا سمع صوت الدف ، بعث فنظر ، فإن كان في وليمة سكت ، وإن كان في غيرها ، عمد بالدرة . ولنا ، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أن امرأة جاءته ، فقالت : إني نذرت إن رجعت من سفرك سالما ، أن أضرب على رأسك بالدف . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك } . رواه أبو داود .

ولو كان مكروها لم يأمرها به وإن كان منذورا . وروت الربيع بنت معوذ ، قالت : { دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة بني بي ، فجعلت جويريات يضربن بدف لهن ، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر ، إلى أن قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد . فقال : دعي هذا ، وقولي الذي كنت تقولين } متفق عليه .

وأما الضرب به للرجال فمكروه على كل حال ; لأنه إنما كان يضرب به النساء ، والمخنثون المتشبهون بهن ، ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء ، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء . فأما الضرب بالقضيب ، فمكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه ، كالتصفيق والغناء والرقص ، وإن خلا عن ذلك كله لم يكره ; لأنه ليس بآلة ولا بطرب ، ولا يسمع منفردا ، بخلاف الملاهي . ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث