الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء

جزء التالي صفحة
السابق

لقد أنزلنا آيات مبينات. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ..

فآيات الله مبينة كاشفة; تجلو نور الله، وتكشف عن ينابيع هداه، وتحدد الخير والشر، والطيب والخبيث، وتبين منهج الإسلام في الحياة كاملا دقيقا لا لبس فيه ولا غموض; وتحدد أحكام الله في الأرض بلا شبهة ولا إبهام. فإذا تحاكم الناس إليها فإنما يتحاكمون إلى شريعة واضحة مضبوطة، لا يخشى منها صاحب حق على حقه; ولا يلتبس فيها حق بباطل، ولا حلال بحرام.

والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .. والمشيئة مطلقة لا يقيدها قيد، غير أن الله –سبحانه - قد جعل للهدى طريقا، من وجه نفسه إليه وجد فيه هدى الله ونوره، فاتصل به، وسار على الدرب، حتى يصل - بمشيئة الله - ومن حاد عنه وأعرض فقد النور الهادي ولج في طريق الضلال حسب مشيئة الله في الهدى والضلال.

ومع هذه الآيات المبينات يوجد ذلك الفريق من الناس، فريق المنافقين، الذين كانوا يظهرون الإسلام ولا يتأدبون بأدب الإسلام:

ويقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا. ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض؟ أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ بل أولئك هم الظالمون ..

إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك، والإسلام عقيدة متحركة، لا تطيق السلبية، فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج; ولتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في عالم الواقع، ومنهج الإسلام الواضح في التربية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية; وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة أو قانون، مع استحياء الدافع الشعوري الأول في كل حركة، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل.

وهؤلاء كانوا يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا .. يقولونها بأفواههم، ولكن مدلولها لا يتحقق في سلوكهم، فيتولون ناكصين; يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان: وما أولئك بالمؤمنين فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم.والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها; ثم يدعها ويمضي، إنما هو تكيف في النفس، وانطباع في القلب، وعمل في الواقع، ثم لا تملك النفس الرجوع عنه متى استقرت حقيقته في الضمير..

[ ص: 2526 ] ولقد كان هؤلاء الذين يدعون الإيمان يخالفون مدلوله حين يدعون ليتحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شريعة الله التي جاء بها:

وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ..

فلقد كانوا يعلمون أن حكم الله ورسوله لا يحيد عن الحق، ولا ينحرف مع الهوى، ولا يتأثر بالمودة والشنآن.وهذا الفريق من الناس لا يريد الحق ولا يطيق العدل، ومن ثم كانوا يعرضون عن التحاكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويأبون أن يجيئوا إليه، فأما إذا كانوا أصحاب حق في قضية فهم يسارعون إلى تحكيم رسول الله، راضين خاضعين، لأنهم واثقون أنه سيقضي لهم بحقهم، وفق شريعة الله، التي لا تظلم ولا تبخس الحقوق.

هذا الفريق الذي كان يدعي الإيمان، ثم يسلك هذا السلوك الملتوي، إنما هو نموذج للمنافقين في كل زمان ومكان. المنافقين الذي لا يجرؤون على الجهر بكلمة الكفر، فيتظاهرون بالإسلام، ولكنهم لا يرضون أن تقضي بينهم شريعة الله، ولا أن يحكم فيهم قانونه، فإذا دعوا إلى حكم الله ورسوله أبوا وأعرضوا وانتحلوا المعاذير وما أولئك بالمؤمنين فما يستقيم الإيمان وإباء حكم الله ورسوله؛ إلا أن تكون لهم مصلحة في أن يتحاكموا إلى شريعة الله أو يحكموا قانونه!.

إن الرضا بحكم الله ورسوله هو دليل الإيمان الحق، وهو المظهر الذي ينبئ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب، وهو الأدب الواجب مع الله ومع رسول الله، وما يرفض حكم الله وحكم رسوله إلا سيئ الأدب معتم، لم يتأدب بأدب الإسلام، ولم يشرق قلبه بنور الإيمان.

ومن ثم يعقب على فعلتهم هذه بأسئلة تثبت مرض قلوبهم، وتتعجب من ريبتهم، وتستنكر تصرفهم الغريب:

أفي قلوبهم مرض؟ أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ ..

والسؤال الأول للإثبات؛ فمرض القلب جدير بأن ينشئ مثل هذا الأثر، وما ينحرف الإنسان هذا الانحراف وهو سليم الفطرة، إنما هو المرض الذي تختل به فطرته عن استقامتها، فلا تتذوق حقيقة الإيمان، ولا تسير على نهجه القويم.

والسؤال الثاني للتعجب، فهل هم يشكون في حكم الله وهم يزعمون الإيمان؟ هل هم يشكون في مجيئه من عند الله؟ أو هم يشكون في صلاحيته لإقامة العدل؟ على كلتا الحالتين فهذا ليس طريق المؤمنين!

والسؤال الثالث للاستنكار والتعجب من أمرهم الغريب.فهل هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ وإنه لعجيب أن يقوم مثل هذا الخوف في نفس إنسان، فالله خالق الجميع ورب الجميع، فكيف يحيف في حكمه على أحد من خلقه لحساب أحد من خلقه؟

إن حكم الله هو الحكم الوحيد المبرأ من مظنة الحيف؛ لأن الله هو العادل الذي لا يظلم أحدا، وكل خلقه أمامه سواء، فلا يظلم أحدا منهم لمصلحة أحد، وكل حكم غير حكمه هو مظنة الحيف، فالبشر لا يملكون أنفسهم وهم يشرعون ويحكمون أن يميلوا إلى مصالحهم، أفرادا كانوا أم طبقة أم دولة.

وحين يشرع فرد ويحكم فلا بد أن يلحظ في التشريع حماية نفسه وحماية مصالحه.وكذلك حين تشرع طبقة لطبقة، وحين تشرع دولة لدولة، أو كتلة من الدول لكتلة، فأما حين يشرع الله فلا حماية ولا مصلحة. [ ص: 2527 ] إنما هي العدالة المطلقة، التي لا يطيقها تشريع غير تشريع الله، ولا يحققها حكم غير حكمه.

من أجل ذلك كان الذين لا يرتضون حكم الله ورسوله هم الظالمون، الذين لا يريدون للعدالة أن تستقر; ولا يحبون للحق أن يسود؛ فهم لا يخشون في حكم الله حيفا، ولا يرتابون في عدالته أصلا. بل أولئك هم الظالمون ..

فأما المؤمنون حقا فلهم أدب غير هذا مع الله ورسوله. ولهم قول آخر إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم; هو القول الذي يليق بالمؤمنين; وينبئ عن إشراق قلوبهم بالنور:

إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. وأولئك هم المفلحون ..

فهو السمع والطاعة بلا تردد ولا جدال ولا انحراف، السمع والطاعة المستمدان من الثقة المطلقة في أن حكم الله ورسوله هو الحكم وما عداه الهوى; النابعان من التسليم المطلق لله، واهب الحياة، المتصرف فيها كيف يشاء; ومن الاطمئنان إلى أن ما يشاؤه الله للناس خير مما يشاءونه لأنفسهم. فالله الذي خلق أعلم بمن خلق.

وأولئك هم المفلحون .. المفلحون لأن الله هو الذي يدبر أمورهم، وينظم علاقاتهم، ويحكم بينهم بعلمه وعدله; فلا بد أن يكونوا خيرا ممن يدبر أمورهم، وينظم علاقاتهم، ويحكم بينهم بشر مثلهم، قاصرون لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، والمفلحون لأنهم مستقيمون على منهج واحد، لا عوج فيه ولا التواء، مطمئنون إلى هذا المنهج، ماضون فيه لا يتخبطون، فلا تتوزع طاقاتهم، ولا يمزقهم الهوى كل ممزق، ولا تقودهم الشهوات والأهواء، والنهج الإلهي أمامهم واضح مستقيم.

ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ..

وقد كان الحديث في الآية السابقة عن الطاعة والتسليم في الأحكام. فالآن يتحدث عن الطاعة كافة في كل أمر أو نهي، مصحوبة هذه الطاعة بخشية الله وتقواه، والتقوى أعم من الخشية، فهي مراقبة الله والشعور به عند الصغيرة والكبيرة; والتحرج من إتيان ما يكره توقيرا لذاته –سبحانه - وإجلالا له، وحياء منه، إلى جانب الخوف والخشية.

ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون، الناجون في دنياهم وأخراهم، وعد الله ولن يخلف الله وعده، وهم للفوز أهل، ولديهم أسبابه من واقع حياتهم، فالطاعة لله ورسوله تقتضي السير على النهج القويم الذي رسمه الله للبشرية عن علم وحكمة، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة.وخشية الله وتقواه هي الحارس الذي يكفل الاستقامة على النهج، وإغفال المغريات التي تهتف بهم على جانبيه، فلا ينحرفون ولا يلتفتون.

وأدب الطاعة لله ورسوله، مع خشية الله وتقواه، أدب رفيع، ينبئ عن مدى إشراق القلب بنور الله واتصاله به، وشعوره بهيبته، كما ينبئ عن عزة القلب المؤمن واستعلائه، فكل طاعة لا ترتكن على طاعة الله ورسوله، ولا تستمد منها، هي ذلة يأباها الكريم، وينفر منها طبع المؤمن، ويستعلي عليها ضميره. فالمؤمن الحق لا يحني رأسه إلا لله الواحد القهار.

وبعد هذه المقابلة بين حسن أدب المؤمنين، وسوء أدب المنافقين الذين يدعون الإيمان، وما هم بمؤمنين، بعد هذه المقابلة يعود إلى استكمال الحديث عن هؤلاء المنافقين:

[ ص: 2528 ] وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل: لا تقسموا. طاعة معروفة. إن الله خبير بما تعملون. قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم. وإن تطيعوه تهتدوا. وما على الرسول إلا البلاغ المبين ..

ولقد كان المنافقون يقسمون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لئن أمرهم بالخروج إلى القتال ليخرجن، والله يعلم إنهم لكاذبون، فهو يرد عليهم متهكما، ساخرا من أيمانهم: قل: لا تقسموا. طاعة معروفة .. لا تحلفوا فإن طاعتكم معروف أمرها، مفروغ منها، لا تحتاج إلى حلف أو توكيد! كما تقول لمن تعلم عليه الكذب وهو مشهور به: لا تحلف لي على صدقك، فهو مؤكد ثابت لا يحتاج إلى دليل.

ويعقب على التهكم الساخر بقوله: إن الله خبير بما تعملون

.. فلا يحتاج إلى قسم ولا توكيد، وقد علم أنكم لا تطيعون ولا تخرجون!

لهذا يعود فيأمرهم بالطاعة، الطاعة الحقيقية، لا طاعتهم تلك المعروفة المفهومة!.

قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ..

فإن تولوا وتعرضوا، أو تنافقوا ولا تنفذوا فإنما عليه ما حمل من تبليغ الرسالة وقد قام به وأداه وعليكم ما حملتم وهو أن تطيعوا وتخلصوا، وقد نكصتم عنه ولم تؤدوه: وإن تطيعوه تهتدوا إلى المنهج القويم المؤدي إلى الفوز والفلاح. وما على الرسول إلا البلاغ المبين فليس مسؤولا عن إيمانكم، وليس مقصرا إذا أنتم توليتم، إنما أنتم المسؤولون المعاقبون بما توليتم وبما عصيتم وبما خالفتم عن أمر الله وأمر الرسول.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث