الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان بعض الكلمات القرآنية التي يتبع فيها الرسم العثماني في الكتابة لا في القراءة

[ ص: 546 ] فصل في بيان بعض الكلمات القرآنية التي يتبع فيها الرسم العثماني في الكتابة لا في القراءة

من الأصول المقررة إجماع العلماء وأهل الأداء على لزوم اتباع الرسم العثماني في حالة الوقف على الكلمة القرآنية وهذا من الأمور المتفق عليها بين عامة القراء، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن الجزري في الطيبة بقوله رحمه الله تعالى :


. . . . . . . . . . . . . . . . وعن كل كما الرسم أجل

ا هـ

وقد تقدم المزيد من الكلام على ذلك والتمثيل له بما فيه الكفاية في فصول - باب الوقف على أواخر الكلم - سواء كان الوقف بالإثبات أم بالحذف وسواء كان بالاتفاق أم بالاختلاف إلا أن هناك حروفا ثابتة في رسم المصحف الشريف لا يجب اتباع الرسم فيها قراءة لا في الوصل ولا في الوقف بل ترسم ولا تقرأ . وأن هناك حروفا محذوفة في الرسم ولكن يجب التلفظ بها في الوصل والوقف . وفيما يلي بعض الأمثلة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر ، فمن الصورة الأولى وهي أن تكون الحروف فيها ثابتة في الرسم ولكن لا يتلفظ بها في القراءة سبعة أشياء :

الأول : الألف المتطرفة الزائدة في الخط في نحو قوله تعالى : الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله هذه الألف لا يوقف بها بل يوقف على واو ساكنة حرف مد ولين لسكونها إثر ضم . ومثل الوقف في ذلك ونحوه الوصل . فتأمل .

الثاني : الياء والواو إذا كانتا عوضين عن الألف في الرسم فالياء نحو " أبى والهوى " والواو نحو " الربا " في قوله تعالى : فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين [ ص: 547 ] وقوله سبحانه : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وقوله تعالى : يمحق الله الربا ويربي الصدقات فالوقف هنا يكون بالألف وليس بالياء ولا بالواو خلافا للرسم ومثل الوقف في ذلك وشبهه الوصل فاحفظه .

الثالث : الحرف الذي جعل صورة الهمز سواء كان ألفا نحو " تبوأ ولتنوأ وسبأ بنبأ " أو واوا نحو " امرؤ " أو ياء نحو " امرئ وهيئ " في قوله تعالى : أن تبوء بإثمي وإثمك وقوله سبحانه : لتنوء بالعصبة أولي القوة وقوله تعالى : وجئتك من سبإ بنبإ يقين ونحو قوله تعالى : إن امرؤ هلك ليس له ولد ونحو قوله تعالى : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وقوله تعالى : وهيئ لنا من أمرنا رشدا فالوقف هنا يكون على الهمزة ساكنة وليس على الألف ولا على الواو ولا على الياء ومثل الوقف في ذلك وما أشبهه الوصل غير أنه بتحريك الهمزة بحركتها فتدبر .

الرابع : الهمزة المتطرفة التي رسمت على الواو ورسم بعد الواو ألف سواء وقع قبل الهمزة ألف أم لم يقع نحو " نشاء والبلاء والضعفاء والعلماء " ونحو " يعبأ ويدرأ " في نحو قوله تعالى : أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء وفي قوله تعالى : [ ص: 548 ] إن هذا لهو البلاء المبين وقوله سبحانه : فقال الضعفاء للذين استكبروا وقوله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء وقوله سبحانه : قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم وقوله جل وعلا : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فكل هذه الكلمات ونحوها في القرآن الكريم وهي معروفة يوقف فيها على الهمزة ساكنة ولا يوقف على الواو ولا على الهمزة ممدودة بواو من أجل الألف التي بعدها كما قد يتبادر ومثل الوقف هنا الوصل غير أنه بتحريك الهمزة بحركتها فاعرفه .

الخامس : الهمزة المتطرفة التي رسمت على الياء سواء وقع قبل الهمزة ألف أم لم يقع نحو " إيتاء وآناء ومن نبإ ويبدئ " في قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر وقوله سبحانه : ومن آناء الليل فسبح وقوله تعالى : ولقد جاءك من نبإ المرسلين وقوله جلت قدرته : إنه هو يبدئ ويعيد فكل هذه المواضع ونحوها في التنزيل وهي معروفة ومحصورة يوقف فيها على الهمزة ساكنة ولا يوقف على الياء ولا على الهمزة ممدودة بياء كما قد يتبادر . ومثل الوقف في ذلك ونحوه الوصل غير أنه بتحريك الهمزة بحركتها فتفطن .

[ ص: 549 ] السادس : الألف الزائدة في الخط كالتي في لفظ " لشيء " في قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله بالكهف خاصة وكالتي في لفظ " مائة ومائتين " في نحو قوله تعالى : فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وكالألف المعانقة للام الأولى في " لا إلى " في قوله تعالى : لإلى الله تحشرون وكذلك الياء الزائدة التي بعد الياء الأصلية في لفظ " بأييد " في قوله تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون بالذاريات ومثلها لفظ " بأيكم " في قوله تعالى : بأييكم المفتون بالقلم . وكذلك الواو الزائدة التي بين الهمزة واللام في نحو " أولئك وأولو وأولي " في نحو قوله تعالى : أولئك هم الصادقون وقوله سبحانه : إنما يتذكر أولو الألباب وقوله تعالى : واتقون يا أولي الألباب هذه الحروف الزوائد كلها ترسم في الخط ولا يتلفظ بها في القراءة مطلقا لا في الوصل ولا في الوقف فتنبه .

السابع : الألف المرسومة واوا في نحو " الصلاة والزكاة والحياة ومشكاة " في نحو قوله تبارك وتعالى : وأقام الصلاة وآتى الزكاة وقوله تعالى : وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وقوله سبحانه : [ ص: 550 ] كمشكاة فيها مصباح هذه الألف لا تبدل واوا كرسمها في هذه المواضع وشبهها لا في الوصل ولا في الوقف بل ترسم واوا وتقرأ ألفا فتدبر .

والحكم في هذه الأشياء السبعة التي ذكرناها متفق عليه بين القراء باستثناء حمزة وهشام في وقفهما على الهمز كما مر بالحاشية فاعرف ذلك .

وأما الصورة الثانية : وهي التي تكون فيها الحروف محذوفة في الرسم ولكن يتلفظ بها في القراءة حتما فمن مواضعها شيئان متفق عليهما بين عامة القراء .

الشيء الأول : الحرف المحذوف لاجتماع صورتين متماثلتين كالياء المتطرفة في نحو " يستحيي ويحيي " في نحو قوله تعالى : والله لا يستحيي من الحق وقوله جلت قدرته : والله يحيي ويميت فإذا وقف على هذين اللفظين ونحوهما في التنزيل وقف بإثبات الياء الثانية المحذوفة من الرسم حرف مد ولين وهذا على القول بأنها هي المحذوفة لا الأولى قاله العلامة المارغني وجزم الحافظ ابن الجزري في النشر برد هذه الياء في الوقف كما حكى الإجماع على ذلك ملا علي القاري في شرحه على الشاطبية .

الشيء الثاني : الحروف المتقطعة التي افتتح بها بعض سور التنزيل نحو " يس " و " ص " و " ق " فيوقف على الحرف الأخير من أسمائها ولا يوقف على الحرف المرسوم فيوقف على النون ساكنة في " يس " وعلى الدال ساكنة مقلقلة في " ص " وعلى الفاء ساكنة في " ق " وإن كانت هذه الحروف غير موجودة في رسم المصحف الشريف فتأمل .

وبعد فهذه تسعة أشياء لا يتبع فيها الرسم في القراءة لا في الكتابة وليست [ ص: 551 ] كل ما هنالك، فهناك أشياء أخرى غيرها تعرف بالتأمل والتفطن . والواجب على قارئ القرآن الكريم أن يلم بشيء من قواعد الرسم العثماني وأن يحفظ شيئا من متونه الأولى كمتن العقيلة للإمام الشاطبي رضي الله عنه ونفعنا بعلومه فإن ذلك يوصله إلى المتون الكبيرة كمورد الظمآن في رسم القرآن للعلامة الخراز . والله نسأل أن يرشدنا جميعا إلى ما فيه الصواب حتى نكتب كتاب الله تعالى كتابة صحيحة ونقرأه قراءة سليمة على الوجه الصحيح الذي يرضيه ويرضى عنا إنه قريب مجيب .

[ ص: 552 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث