الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الزهري

الوليد بن مسلم : حدثني القاسم بن هزان ، سمع الزهري يقول : لا يرضي الناس قول عالم لا يعمل ، ولا عمل عامل لا يعلم . القاسم : ثقة . وعن أبي الزناد قال : كان الزهري يقدح أبدا عند هشام في الوليد بن يزيد ويعيبه ، ويذكر أمورا عظيمة حتى يذكر الصبيان ، وأنهم يخضبون بالحناء ، ويقول لهشام : ما يحل لك إلا خلعه ، فكان هشام لا يستطيع ذلك للعقد الذي عقد له ، ولا يكره ما صنع الزهري رجاء أن يؤلب عليه الناس ، فكنت يوما عنده في ناحية الفسطاط ، أسمع ذم الزهري للوليد ، فجاء الحاجب ، فقال : هذا الوليد بالباب ، قال : أدخله ، فأوسع له هشام على فراشه ، وأنا أعرف في وجه الوليد الغضب والشر ، فلما استخلف الوليد بعث إلي وإلى ابن المنكدر ، وابن القاسم ، وربيعة ، قال : فأرسل إلي ليلة مخليا وقدم العشاء ، وقال : حديث حسن يابن ذكوان ، [ ص: 342 ] أرأيت يوم دخلت على الأحول وأنت عنده ، والزهري يقدح في ، أفتحفظ من كلامه شيئا ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، أذكر يوم دخلت والغضب في وجهك أعرفه ، قال : كان الخادم الذي رأيت على رأس هشام ينقل ذلك كله إلي وأنا على الباب قبل أن أدخل إليكم ، وأخبرني أنك لم تنطق بشيء ، قلت : نعم ، قال : قد كنت عاهدت الله ، لئن أمكنني الله القدرة بمثل هذا اليوم أن أقتل الزهري . رواها الواقدي عن أبي الزناد ، عن أبيه .

وقال الواقدي : حدثنا ابن أخي الزهري ، قال : كان عمي قد اتعد هو وابن هشام بن عبد الملك ، وكان الوليد يتلهف لو قبض عليه ، الوليد بن مسلم : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، أنبأنا الزهري ، قال لهشام : اقض ديني ، قال : وكم هو ؟ قال : ثمانية عشر ألف دينار ، قال : إني أخاف إن قضيتها عنك أن تعود ، فقال : قال النبي- صلى الله عليه وسلم- : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فقضاها عنه . قال : فما مات الزهري حتى استدان مثلها . فبيعت شغب فقضي دينه . العدني : حدثنا سفيان ، قال : رأيت مالك بن أنس وعبيد الله بن عمر ، أتيا الزهري بمكة ، فكلماه يعرضان عليه ، فقال الزهري : إني أريد المدينة وطريقي عليكما ، تأتيان إن شاء الله . قال : وكان عبيد الله هو المتكلم ومالك معه ساكت ، ولم يسمعا عليه بمكة شيئا .

قال معمر : أتيت الزهري بالرصافة فجالسته . الليث ، عن معاوية بن صالح ، أن أبا جبلة حدثه قال : كنت مع ابن شهاب في سفر ، فصام يوم عاشوراء ، فقيل له : لم تصوم وأنت تفطر في رمضان في السفر ؟ قال : إن رمضان له عدة من أيام أخر ، وإن عاشوراء يفوت .

[ ص: 343 ] أبو مسهر : حدثنا يحيى بن حمزة ، قال الزهري : ثلاث إذا كن في القاضي فليس بقاض : إذا كره الملام ، وأحب المحامد ، وكره العزل .

يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن شهاب قال : لا تناظر بكتاب الله ، ولا بكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم .

قال عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك قال : قدم ابن شهاب المدينة ، فأخذ بيد ربيعة ، ودخلا إلى بيت الديوان ، فما خرجا إلى العصر . فقال ابن شهاب : ما ظننت أن بالمدينة مثلك ، وخرج ربيعة وهو يقول : ما ظننت أن أحدا بلغ من العلم ما بلغ ابن شهاب .

ابن أبي رواد ، عن ابن شهاب قال : العمائم تيجان العرب ، والحبوة حيطان العرب ، والاضطجاع في المسجد رباط المؤمنين .

يونس ، عن ابن شهاب قال : الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، فمن وحد ولم يؤمن بالقدر ، كان ذلك ناقضا توحيده .

سعيد بن أبي مريم : حدثنا يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد قالا : حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب قال : من سنة الصلاة أن تقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ثم فاتحة الكتاب ، ثم تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم تقرأ سورة ، فكان ابن شهاب يقرأ أحيانا سورة مع الفاتحة ، يفتتح كل سورة منها ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكان يقول : أول من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم سرا بالمدينة : عمرو بن سعيد بن العاص ، وكان رجلا حييا .

ابن أبي يونس : سمعت مالكا يقول : إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذونه . لقد أدركت في المسجد سبعين ممن يقول : قال فلان ، قال رسول الله ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال ، لكان به أمينا . فما أخذت منهم شيئا ; لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن ويقدم علينا الزهري وهو شاب فنزدحم على بابه .

[ ص: 344 ] قلت : كأن مالكا انخدع بخضاب الزهري فظنه شابا . رواها أبو إسماعيل الترمذي ، عن إسماعيل .

محمد بن عباد المكي : حدثنا سفيان ، سمعت الزهري يقول : كنت أحسب أني قد أصبت من العلم ، حتى جالست عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، فكأنما كنت في شعب من الشعاب .

إسحاق بن محمد الفروي : سمعت مالكا يقول : دخلت أنا وموسى بن عقبة ، ومشيخة على ابن شهاب ، فسأله إنسان عن حديث ، فقال : تركتم العلم ، حتى إذا صرتم كالشنان قد توهت ، طلبتموه ، والله لا جئتم بخير أبدا . فضحكنا . يونس عن ابن شهاب : جالست ابن المسيب حتى ما كنت أسمع منه إلا الرجوع ، يعني : المعاد ، وجالست عبيد الله فما رأيت أغرب منه ، ووجدت عروة بحرا لا تكدره الدلاء .

أبو ضمرة : حدثنا عبيد الله بن عمر ، رأيت ابن شهاب يؤتى بالكتاب ما يقرؤه ولا يقرأ عليه ، فنقول : نأخذ هذا عنك ؟ فيقول : نعم . فيأخذونه وما قرأه ولا يرونه . عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري قال : ما استعدت حديثا قط ، وما شككت في حديث إلا حديثا واحدا . فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت . قال معمر : قد روى الزهري عن الموالي : سليمان بن يسار ، وطاوس ، والأعرج ونافع مولى ابن عمر ، ونافع مولى أبي قتادة ، وحبيب مولى عروة ، وكثير مولى أفلح . وقلت له : إنهم يقولون : إنك لا تروي عن الموالي . قال : قد رويت عنهم ، ولكن إذا وجدت عن أبناء المهاجرين والأنصار ، فما حاجتي إلى غيرهم . وسمعته يقول : يا أهل العراق ، يخرج الحديث من عندنا شبرا ، ويصير عندكم ذراعا . عطاء بن مسلم الخفاف ، عن عبد الله بن عمر ، عن الزهري قال : حدثت علي بن الحسين بحديث ، فلما فرغت منه ، قال : أحسنت -بارك الله فيك- هكذا [ ص: 345 ] حدثناه ، قلت : أراني حدثتك بحديث أنت أعلم به مني ، قال : لا تقل ذاك ، فليس من العلم ما لا يعرف ، إنما العلم ما عرف ، وتواطأت عليه الألسن .

ابن وهب قال : قال مالك : لقد هلك سعيد بن المسيب ، ولم يترك كتابا ، ولا القاسم بن محمد ، ولا عروة ، ولا ابن شهاب ، قلت لابن شهاب وأنا أريد أن أخصمه : ما كنت تكتب ؟ قال : قلت : ولا تسأل أن يعاد عليك الحديث ؟ قال : لا .

قال معمر : كان الزهري إذا ذكر علي بن الحسين ، قال : لم أر في أهل بيته أفضل منه . أيوب بن سويد : حدثنا يونس ، قال الزهري : إياك وغلول الكتب ، قلت : وما غلولها ؟ قال : حبسها .

الأوزاعي ، عن سليمان بن حبيب ، عن عمر بن عبد العزيز قال : ما أتاك به الزهري عن غيره ، فشد يدك به ، وما أتاك به عن رأيه ، فانبذه .

قال ابن المديني : دار علم الثقات على ستة ، فكان بالحجاز الزهري ، وعمرو بن دينار ، وبالبصرة قتادة ، ويحيى بن أبي كثير ، وبالكوفة أبو إسحاق والأعمش . داود بن المحبر ، عن مقاتل بن سليمان ، عن الزهري قال : كان ابن عباس يقول : خمس يورثن النسيان : أكل التفاح ، والبول في الماء الراكد ، والحجامة في القفا ، وإلقاء القملة في التراب ، وسؤر الفأرة .

قال محمد بن يحيى الذهلي : أبو حميد مولى مسافع عن أبي هريرة ، روى عنه الزهري حديث لتنتقن كما ينتقى التمر .

[ ص: 346 ] وحديث إياكم ومحقرات الأعمال رواهما يونس بن يزيد عنه .

أحمد بن عبد العزيز الرملي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، سمعت الزهري لما حدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن قلت له : فما هو ؟ قال : من الله القول ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم ، أمروا حديث رسول الله كما جاء -بلا كيف .

محمد بن ميمون المكي : حدثنا ابن عيينة ، قال : أتيت الزهري ، وهو عند سارية عند باب الصفا ، فجلست بين يديه ، فقال : يا بني قرأت القرآن ؟ قلت : بلى . قال : تعلمت الفرائض ؟ قلت : بلى . قال : كتبت الحديث ؟ قلت : بلى . يعني عن أبي إسحاق الهمداني . قال : أبو إسحاق إسناد .

ضمرة بن ربيعة ، عن رجاء بن أبي سلمة ، عن أبي رزين ، سمعت الزهري يقول : أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من منسوخه .

وعن إسماعيل المكي : سمعت الزهري يقول : من سره أن يحفظ [ ص: 347 ] الحديث فليأكل الزبيب ، قال الحاكم : لأن زبيب الحجاز حار حلو رقيق فيه يبس مقطع للبلغم .

أيوب بن سويد ، عن يونس ، عن الزهري ، قال لي القاسم : أراك تحرص على الطلب ، أفلا أدلك على وعائه ؟ قلت : بلى . قال : عليك بعمرة بنت عبد الرحمن ، فإنها كانت في حجر عائشة ، فأتيتها ، فوجدتها بحرا لا ينزف .

قال الشافعي : قال ابن عيينة : حدث الزهري يوما بحديث ، فقلت : هاته بلا إسناد ، قال : أترقى السطح بلا سلم ؟ .

عن الوليد بن عبيد الله العجلي ، عن الزهري قال : الحافظ لا يولد إلا في كل أربعين سنة مرة .

يونس بن محمد : حدثنا أبو أويس ، سألت الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث ، فقال : إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث ؟ إذا أصيب معنى الحديث ، ولم يحل به حراما ، ولم يحرم به حلالا ، فلا بأس ، وذلك إذا أصيب معناه .

أخبرنا أحمد بن إسحاق الزاهد ، أنبأنا محمد بن هبة الله بن عبد العزيز المراتبي ببغداد ، أنبأنا عمي محمد بن عبد العزيز الدينوري سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، أنبأنا عاصم بن الحسن ، أنبأنا عبد الواحد بن محمد ، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ، حدثنا أحمد بن إسماعيل ، حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة ، أنها قالت : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان .

[ ص: 348 ] أخبرنا أبو المعالي الأبرقوهي ، أنبأنا الفتح بن عبد السلام ، أنبأنا هبة الله بن الحسين ، أنبأنا أحمد بن محمد بن النقور ، حدثنا عيسى بن علي ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ، حدثنا منصور بن أبي مزاحم ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- : رأى في يد رجل خاتما من ذهب ، فضرب إصبعه حتى ألقاه ، ورأى على أم سلمة قرطي ذهب ، فأعرض عنها ، حتى رمت بهما هكذا أرسله منصور .

وبالإسناد إلى أبي القاسم هو البغوي ، حدثنا بشر بن الوليد ، حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري ، عن أنس ، أنه أبصر على النبي -صلى الله عليه وسلم- خاتم ورق يوما واحدا ، فصنع الناس خواتيمهم من ورق فلبسوها ، فطرح النبي -صلى الله عليه وسلم- خاتمه ، وطرحوا خواتيمهم ، ورأى في يد رجل خاتما فضرب إصبعه حتى رمى به .

أخبرنا محمد بن عبد السلام التميمي ، وأحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء [ ص: 349 ] قراءة ، عن عبد المعز بن محمد ، أنبأنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل ، أنبأنا محلم بن إسماعيل ، أنبأنا الخليل بن أحمد السجزي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا قتيبة ، حدثنا المفضل ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- : كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة ، جمع كفيه ، ثم نفث فيهما ، فقرأ فيهما قل هو الله أحد و قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده ، بدأ بهما على رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات أخرجه البخاري عن قتيبة بن سعيد مثله .

وقد وقع لنا جملة صالحة من عالي حديث الزهري ، وقد طالت هذه الترجمة وبقيت أشياء ، والله الموفق .

قال محمد بن سعد : أخبرني الحسين بن المتوكل العسقلاني ، قال : رأيت قبر الزهري بأدما وهي خلف شغب وبدا وهي أول عمل فلسطين ، وآخر عمل الحجاز ، وبها ضيعة للزهري ، رأيت قبره مسنما مجصصا .

قال يحيى القطان : توفي الزهري سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومائة تابعه أبو عبيد ، ويحيى بن معين .

وقال عدة : مات سنة أربع قال معن بن عيسى : حدثنا ابن أخي الزهري ، [ ص: 350 ] أن عمه مات سنة أربع وكذا قال إبراهيم بن سعد ، وابن عيينة ، زاد الواقدي : وهو ابن اثنتين وسبعين سنة .

وقال ابن سعد وخليفة والزبير : مات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين . وشذ أبو مسهر ، فقال : مات سنة خمس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث