الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الأحاديث الواردة في الطلاق الثلاث

فإن قيل: المطلق كان يعتقد وقوع الطلاق بالثلاث.

قيل: كما كان يعتقد إباحته. ولم ينقل أحد بإسناد ثابت أن أحدا طلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة، وهي ممن يباح له إمساكها، فأوقع به النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد روى طائفة من المصنفين في الحديث والفقه والخلاف أحاديث ضعيفة بل موضوعة عند أهل العلم بالحديث، فلا حاجة إلى ذكرها، ولكن الذي يظن أن فيه حجة ثلاثة أحاديث:

حديث فاطمة بنت قيس، ففي رواية غير واحد أنها قالت: طلقني ثلاثا ، وفي لفظ بعضهم: طلقني البتة . ولكن هذا مجمل فسره ما ثبت في الصحيح من رواية الزهري عن أبي سلمة وعبيد الله عنها أن زوجها أبا حفص بن المغيرة خرج مع علي إلى اليمن، وأرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. [ ص: 313 ]

والثاني: حديث العجلاني ، قال أبو بكر بن أبي عاصم لما ذكر اختلافهم في طلاق العجلاني: قال مالك بن أنس في حديثه: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال إبراهيم بن سعد: ففارقها، وقال ابن إسحاق: هي طلاق البتة، وقال ابن أبي ذئب: ففارقها، وقال الأوزاعي: ففارقها، وقال عقيل: ثم فارقها. ولم ينقل عنه لفظ طلاق، بل قال: كذبت عليها إن أمسكتها، ولكن الراوي عبر عن مفارقته إياها بهذه الألفاظ التي تدل على أنه فارقها فراقا باتا قبل أن يؤمر بذلك، فإن كان الراوي عبر عن مفارقته بقوله "طلقها ثلاثا" - لأن مقصوده أنه حرمها عليه - فليس فيه حجة; وإن كان هو تكلم بلفظ الطلاق بقوله "طلقها ثلاثا" قد يراد به مفرقة، كقوله: هي طالق، هي طالق، هي طالق، كما في حديث فاطمة وغيرها أن زوجها طلقها ثلاثا، وكان المراد ثلاثا مفرقات، فلا حجة فيه أيضا; وإن قال: "هي طالق ثلاثا" فلا حجة فيه أيضا، كما سنذكره.

والثالث: حديث امرأة رفاعة ، وهو أيضا لفظ مجمل، فقد يكون الطلاق الثلاث وقع مفرقا، كما وقع في حديث فاطمة بنت قيس.

بل وأما حديث البتة إن صح ففيه أنه أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 314 ] وقال: ما أردت إلا واحدة، وأنه استحلفه ما أردت إلا واحدة.

ومنطوق هذا لا حجة فيه، لأنه إذا لم يرد إلا واحدة لم يقع به إلا واحدة. وفيه حجة على مسألة النزاع المشهورة بين الفقهاء. وأما مفهومه فمجمل، لو قال: أردت ثلاثا حتى كان يغضب عليه ويؤدبه لفعله المحرم الذي نهى عنه، كما غضب على غيره، ويؤخر إذنه له في الرجعة تأديبا له، أو كان يوقعها به. وليس في الحديث بيان لأحدهما، والطريق الآخر الذي هو أصح فإنه أوقع ثلاثا، ولا يجوز أن يثبت تحريم عام يلزم الأمة بمسكوت مجمل أو بحديث مضعف، قد عارضه ما هو أصح منه لا بيان فيه للوقوع، وإنما فيه الفرق بين أن يريد الواحدة أو أكثر، والفرق ثابت بدون إيقاع الثلاث.

وقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: "لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول". وهذه هي قصة تميمة التي تزوجها رفاعة، وكان يدعي أنه وطئها.

وتطليقها ثلاثا قد يكون مفرقة، وقد يكون طلقها ثلاثا بكلمة واحدة، ولكن بانت بواحدة إذا لم يكن دخل بها. فليس فيه دلالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ذلك ثلاثا.

* * * [ ص: 315 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث