الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل العدل الإلهي في الثواب والعقاب

فصل

فإن كثف علمك عن هذا ولم يتسع له عقلك ، فاذكر النعم وما عليها من الحقوق ووازن بين شكرها وكفرها ، فحينئذ تعلم أنه لو عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، قال أنس بن مالك : ينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين : ديوان فيه ذنوبه ، وديوان فيه النعم ، وديوان فيه العمل الصالح ، فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم تستوعب عمله فيه ، ثم تقول : أي ربي ، وعزتك وجلالك ما استوعبت [ ص: 250 ] ثمني ، وقد بقيت الذنوب والنعم ، فإذا أراد الله بعبده خيرا قال : ابن آدم ، ضعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ، ووهبت لك نعمتي فيما بيني وبينك .

ومما يوضح الأمر أن من حق الله على عبده أن يرضى به ربه وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ، وهذا الرضى يقتضي رضاه بربوبيته له في كل ما يقضيه ويقدره عليه في عطائه له ومنعه ، وفي قبضه وبسطه ، ورضاه بالإسلام دينا يوجب عليه رضاه به وعنه في كل ما يأمره به وينهاه عنه ، ويحبه منه ويكرهه له ، فلا يكون في صدره من ذلك حرج بوجه ما ، ورضاه بمحمد رسولا يوجب أن يرضى بحكمه له وعليه ، وأن يسلم لذلك وينقاد له ولا يقدم عليه غيره ، وهذا يوجب أن يكون حبه كله لله ، وبغضه كله لله ، وعطاؤه لله ومنعه لله ، وفعله لله وتركه لله ، وإذا قام بذلك كانت نعم الله عليه أكثر من عمله ، بل فعله ذلك من أعظم نعم الله عليه ، حيث وفقه له ويسره له وأعانه عليه وجعله من أهله وحضه به ، فهو يستوجب شكرا آخرا عليه ، فلا سبيل له إلى القيام فيما يجب لله تعالى عليه من الشكر أبدا ، فنعم الله تطالبه بالشكر ، وأعماله لا يقبلها وذنوبه وغفلته وتقصيره قد يستنفد عمله ، فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها ، هذا ، وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتض كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمر به سيده ، فنفسه مملوكة وأعماله مستحقه عليه بموجب العبودية فلا يستحق ثوابا ولا جزاء ، فلو أمسك الثواب والجزاء الذي يتنعم به لم يكن ظالما ، فإنه يكون قد فعل ما وجب عليه بحق كونه عبدا ، ومن لم يحكم هذا الموضع فإنه عند الذنوب وعقوباتها يصدر منه من الأقوال ما يكون فيها أو في بعضها خصما لله متظلما منه شاكيا له ، وقد وقع في هذا من شاء الله من الناس ، ولو حركت النفوس لرأيت العجب .

ومما يوضح ذلك أنه سبحانه عادل ، لو عم أهل السماوات والأرض بالعذاب لكان عادلا ، فهو إنما ينزل العذاب بسبب من يستحقه منهم ثم يعم العذاب من لا يستحقه ، [ ص: 251 ] كما أهلك سبحانه الأمم المكذبين بعذاب الاستئصال ، وأصاب العذاب الأطفال والبهائم ومن لم يذنب ، وكذلك إذا عصاه أهل الأرض أمسك عنهم قطر السماء ، فيصيب ذلك العذاب البهائم والوحوش في الفلوات ، فتموت الحبارى في وكورها هزلا بخطايا بني آدم ، ويموت الضب في جحره جوعا ، وقد أغرق الله أهل الأرض كلهم بخطايا قوم نوح ، وفيهم الأطفال والبهائم ، ولم يكن ذلك ظلما منه سبحانه ، فالعقوبة الإلهية التي اشترك الناس في أسبابها تأتي عامة ، وقد كسر الصحابة رضي الله عنهم يوم أحد بذنوب أولئك الذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلوا مركزهم ، وانهزموا يوم حنين لما حصل لبعضهم من الإعجاب بكثرتهم ، فعمت عقوبة ذلك الإعجاب ، وهذا عين العدل والحكمة ، لما في ذلك من المصالح التي لا يعلمها إلا الله تعالى .

وغاية ما يقال : فهلا خصت العقوبة صاحب الجريمة ؟ فيقال : العقوبة العامة التي تبقى آية وعبرة وموعظة ، لو وقعت خاصة لارتفعت الحكمة المقصودة منها ، وفاتت العبرة ، ولم يظهر للناس أنها بذلك السبيل ، بل لعل قائلا يقول : قدرا اتفق ، وإذا أصاب العذاب من لا يستحقه ، فمن يثاب في الآخرة معجل له الراحة في الدنيا بالموت الذي لا بد منه ، ويتداخل الثواب في الآخرة ، ومن لا يثاب كالبهائم التي لا بد من موتها فإنها لا تتعجل الراحة وما يصيبها من ألم الجوع والعطش ، فهو من لوازم العدل والحكمة مثل الذي يصيبها من ألم الحر والبرد والحبس في بيوتها التي مصلحتها أرجح من مفسدة ما ينالها ، وهكذا مصلحة هذه العقوبة العامة وجعلها عبرة للأمم أرجح من مفسدة تألم تلك الحيوانات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث