الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب

جزء التالي صفحة
السابق

والشوط الأخير في السورة يتصل بالشوط الثالث. فبعد توجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - للصبر والانتظار يذكر أن الله قد أرسل رسلا قبله كثيرين. وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله .. على أن في الكون [ ص: 3068 ] آيات قائمة، وبين أيديهم آيات قريبة; ولكنهم يغفلون عن تدبرها.. هذه الأنعام المسخرة لهم من سخرها؟. وهذه الفلك التي تحملهم أليست آية يرونها! ومصارع الغابرين ألا تثير في قلوبهم العظة والتقوى؟ ويختم السورة بإيقاع قوي على مصرع من مصارع المكذبين، وهم يرون بأس الله فيؤمنون; فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا. سنت الله التي قد خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون .. هذا الختام الذي يصور نهاية المتكبرين، ويتفق مع جو السورة وظلها وطابعها الأصيل.

فلنسر الآن مع سياق السورة بالتفصيل..

حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير ..

هذه السورة بدء سبع سور كلها تبدأ بالحرفين: " حا. ميم " . منها سورة واحدة يذكر فيها بعد هذين الحرفين ثلاثة حروف أخر: " عين. سين. قاف " . وقد سبق الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور. وأنها إشارة إلى صياغة هذا القرآن منها. وهو معجز لهم مع تيسير هذه الأحرف لهم ومعرفتهم بها، وهي أحرف لغتهم التي يتحدثونها ويكتبونها.

وتليها الإشارة إلى تنزيل الكتاب.. إحدى الحقائق التي يتكرر الحديث عنها في السور المكية بوجه خاص، في معرض بناء العقيدة:

تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ..

وهي مجرد إشارة ينتقل السياق منها إلى التعريف ببعض صفات الله الذي نزل هذا الكتاب. وهي مجموعة من الصفات ذات علاقة موضوعية بمحتويات السورة كلها وقضاياها:

العزيز العليم، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير ..

العزة. والعلم. وغفران الذنب. وقبول التوبة.وشدة العقاب. والفضل والإنعام. ووحدانية الألوهية، ووحدانية المرجع والمصير..

وكل موضوعات السورة تتعلق بهذه المعاني، التي جاءت في مطلع السورة. والتي سيقت في إيقاعات ثابتة الجرس، قوية التركيب، توحي بالاستقرار والثبات والرسوخ.

والله - سبحانه - يعرف نفسه لعباده بصفاته، ذات الأثر في حياتهم ووجودهم، ويلمس بها مشاعرهم وقلوبهم; فيثير رجاءهم وطمعهم; كما يثير خوفهم وخشيتهم، ويشعرهم بأنهم في قبضته لا مهرب لهم من تصريفه. ومنها هذه الصفات:

" العزيز " : القوي القادر الذي يغلب ولا يغلب، والذي يصرف الأمر لا يقدر عليه أحد، ولا يعقب عليه أحد.

" العليم " .. الذي يصرف الوجود عن علم وعن خبرة، فلا يخفى عليه شيء، ولا يند عن علمه شيء.

غافر الذنب .. الذي يعفو عن ذنوب العباد، بما يعلمه - سبحانه - من استحقاقهم للغفران.

وقابل التوب .. الذي يتوب على العصاة، ويتقبلهم في حماه، ويفتح لهم بابه بلا حجاب.

شديد العقاب الذي يدمر على المستكبرين ويعاقب المعاندين، الذين لا يتوبون ولا يستغفرون.

[ ص: 3069 ] ذي الطول .. الذي يتفضل بالإنعام، ويضاعف الحسنات، ويعطي بغير حساب.

لا إله إلا هو .. فله الألوهية وحده لا شريك له فيها ولا شبيه.

إليه المصير .. فلا مهرب من حسابه ولا مفر من لقائه. وإليه الأوبة والمعاد.

وهكذا تتضح صلته بعباده وصلة عباده به. تتضح في مشاعرهم وتصوراتهم وإدراكهم، فيعرفون كيف يعاملونه في يقظة وفي حساسية; وفي إدراك لما يغضبه وما يرضيه.

وقد كان أصحاب العقائد الأسطورية يعيشون مع آلهتهم في حيرة، لا يعرفون عنها شيئا مضبوطا; ولا يتبينون ماذا يسخطها وماذا يرضيها، ويصورونها متقلبة الأهواء، غامضة الاتجاهات، شديدة الانفعالات، ويعيشون معها في قلق دائم يتحسسون مواضع رضاها، بالرقى والتمائم والضحايا والذبائح، ولا يدرون سخطت أم رضيت إلا بالوهم والتخمين!

فجاء الإسلام واضحا ناصعا، يصل الناس بإلههم الحق، ويعرفهم بصفاته، ويبصرهم بمشيئته ويعلمهم كيف يتقربون إليه، وكيف يرجون رحمته، ويخشون عذابه، على طريق واضح قاصد مستقيم.

ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ، فلا يغررك تقلبهم في البلاد. كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم، فكيف كان عقاب؟ وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ..

بعد تقرير تلك الصفات العلوية، وتقرير الوحدانية، يقرر أن هذه الحقائق مسلمة من كل من في الوجود، وكل ما في الوجود، ففطرة الوجود كله مرتبطة بهذه الحقائق، متصلة بها الاتصال المباشر، الذي لا تجادل فيه ولا تماحل. والوجود كله مقتنع بآيات الله الشاهدة بحقيقته ووحدانيته. وما من أحد يجادل فيها إلا الذين كفروا وحدهم، شذوذا عن كل ما في الوجود وكل من في الوجود:

ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ..

فهم وحدهم من بين هذا الوجود الهائل يشذون; وهم وحدهم من بين هذا الخلق العظيم ينحرفون. وهم - بالقياس إلى هذا الوجود - أضعف وأقل من النمل بالقياس إلى هذه الأرض. وهم حين يقفون في صف يجادلون في آيات الله; ويقف الوجود الهائل كله في صف معترفا بخالق الوجود مستندا إلى قوة العزيز الجبار.. هم في هذا الموقف مقطوع بمصيرهم، مقضي في أمرهم; مهما تبلغ قوتهم; ومهما يتهيأ لهم من أسباب المال والجاه والسلطان:

فلا يغررك تقلبهم في البلاد ..

فمهما تقلبوا، وتحركوا، وملكوا، واستمتعوا، فهم إلى اندحار وهلاك وبوار. ونهاية المعركة معروفة. إن كان ثمت معركة يمكن أن تقوم بين قوة الوجود وخالقه، وقوة هؤلاء الضعاف المساكين!

ولقد سبقتهم أقوام وأحزاب على شاكلتهم، توحي عاقبتهم بعاقبة كل من يقف في وجه القوة الطاحنة العارمة التي يتعرض لها من يعرض نفسه لبأس الله:

كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم، فكيف كان عقاب ..

[ ص: 3070 ] فهي قصة قديمة من عهد نوح. ومعركة ذات مواقع متشابهة في كل زمان. وهذه الآية تصور هذه القصة. قصة الرسالة والتكذيب والطغيان على مدى القرون والأجيال كما تصور العاقبة في كل حال.

رسول يجيء فيكذبه طغاة قومه. ولا يقفون عند مقارعة الحجة بالحجة، إنما هم يلجؤون إلى منطق الطغيان الغليظ، فيهمون أن يبطشوا بالرسول، ويموهون على الجماهير بالباطل ليغلبوا به الحق.. هنا تتدخل يد القدرة الباطشة، فتأخذهم أخذا يعجب ويدهش، ويستحق التعجيب والاستعراض:

فكيف كان عقاب؟ ..

ولقد كان عقابا مدمرا قاضيا عنيفا شديدا، تشهد به مصارع القوم الباقية آثارها، وتنطق به الأحاديث والروايات.

ولم تنته المعركة. فهي ممتدة الآثار في الآخرة:

وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ..

ومتى حقت كلمة الله على أحد فقد وقعت، وقضي الأمر، وبطل كل جدال.

وهكذا يصور القرآن الحقيقة الواقعة. حقيقة المعركة بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، وبين الدعاة إلى الله الواحد والطغاة الذين يستكبرون في الأرض بغير الحق. وهكذا نعلم أنها معركة قديمة بدأت منذ فجر البشرية. وأن ميدانها أوسع من الأرض كلها، لأن الوجود كله يقف مؤمنا بربه مسلما مستسلما، ويشذ منه الذين كفروا يجادلون في آيات الله وحدهم دون سائر هذا الكون الكبير. ونعلم كذلك نهاية المعركة - غير المتكافئة - بين صف الحق الطويل الضخم الهائل وشرذمة الباطل القليلة الضئيلة الهزيلة، مهما يكن تقلبها في البلاد، ومهما يكن مظهرها من القوة والسيطرة والمتاع!

هذه الحقيقة - حقيقة المعركة والقوى البارزة فيها، وميدانها في الزمان والمكان - يصورها القرآن لتستقر في القلوب; وليعرفها - على وجه خاص - أولئك الذين يحملون دعوة الحق والإيمان في كل زمان ومكان; فلا تتعاظمهم قوة الباطل الظاهرة، في فترة محدودة من الزمان، ورقعة محدودة من المكان; فهذه ليست الحقيقة. إنما الحقيقة هي التي يصورها لهم كتاب الله، وتنطق بها كلمة الله. وهو أصدق القائلين. وهو العزيز العليم.

ويتصل بتلك الحقيقة الأولى أن حملة العرش ومن حوله - وهم من بين القوى المؤمنة في هذا الوجود - يذكرون المؤمنين من البشر عند ربهم، ويستغفرون لهم، ويستنجزون وعد الله إياهم; بحكم رابطة الإيمان بينهم وبين المؤمنين:

الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا. ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك، وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات - ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته - وذلك هو الفوز العظيم ..

ونحن لا نعرف ما هو العرش؟ ولا نملك صورة له، ولا نعرفكيف يحمله حملته، ولا كيف يكون من حوله حوله; ولا جدوى من الجري وراء صور ليس من طبيعة الإدراك البشري أن يلم بها، ولا من [ ص: 3071 ] الجدل حول غيبيات لم يطلع الله أحدا من المتجادلين عليها; وكل ما يتصل بالحقيقة التي يقررها سياق السورة أن عبادا مقربين من الله، يسبحون بحمد ربهم . ويؤمنون به .. وينص القرآن على إيمانهم - وهو مفهوم بداهة - ليشير إلى الصلة التي تربطهم بالمؤمنين من البشر.. هؤلاء العباد المقربون يتوجهون بعد تسبيح الله إلى الدعاء للمؤمنين من الناس بخير ما يدعو به مؤمن لمؤمن.

وهم يبدؤون دعاءهم بأدب يعلمنا كيف يكون أدب الدعاء والسؤال. يقولون:

ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ..

يقدمون بين يدي الدعاء بأنهم - في طلب الرحمة للناس - إنما يستمدون من رحمة الله التي وسعت كل شيء، ويحيلون إلى علم الله الذي وسع كل شيء; وأنهم لا يقدمون بين يدي الله بشيء; إنما هي رحمته وعلمه منهما يستمدون وإليهما يلجؤون:

فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ..

وتلتقي هذه الإشارة إلى المغفرة والتوبة بمطلع السورة، وبصفة الله هناك: غافر الذنب وقابل التوب ..

كما تلتقي الإشارة إلى عذاب الجحيم، بصفة الله: شديد العقاب ..

ثم يرتقون في الدعاء من الغفران والوقاية من العذاب إلى سؤال الجنة واستنجاز وعد الله لعباده الصالحين:

ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. إنك أنت العزيز الحكيم ..

ودخول الجنة نعيم وفوز. يضاف إليه صحبة من صلح من الآباء والأزواج والذريات. وهي نعيم آخر مستقل. ثم هي مظهر من مظاهر الوحدة بين المؤمنين أجمعين. فعند عقدة الإيمان يلتقي الآباء والأبناء والأزواج، ولولا هذه العقدة لتقطعت بينهم الأسباب:

والتعقيب على هذه الفقرة من الدعاء: إنك أنت العزيز الحكيم يشير إلى القوة كما يشير إلى الحكمة. وبها يكون الحكم في أمر العباد..

وقهم السيئات. ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته. وذلك هو الفوز العظيم ..

وهذه الدعوة - بعد الدعاء بإدخالهم جنات عدن - لفتة إلى الركيزة الأولى في الموقف العصيب. فالسيئات هي التي توبق أصحابها في الآخرة، وتوردهم مورد التهلكة. فإذا وقى الله عباده المؤمنين منها وقاهم نتائجها وعواقبها. وكانت هذه هي الرحمة في ذلك الموقف. وكانت كذلك أولى خطوات السعادة. وذلك هو الفوز العظيم .. فمجرد الوقاية من السيئات هو أمر عظيم!

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث