الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث السادس والعشرون من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع

جزء التالي صفحة
السابق

596 [ ص: 145 ] حديث سادس وعشرون ، لمالك عن عبد الله بن دينار

مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أنه كان يقول : من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطلبه حتى يمكنه يقول : أنا كنزك .

التالي السابق


قال أبو عمر : وهذا الحديث أيضا موقوف في الموطأ غير مرفوع ، وقد أسنده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أيضا ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإسناد الأول . ورواه عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو عندي خطأ منه في الإسناد ، والله أعلم .

[ ص: 146 ] حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا محمد بن أحمد بن المنذر وبكير بن الحسن ، قالا : حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان فيلزمه ، قال : أو يطوق به ، يقول : أنا كنزك أنا كنزك .

وكذلك رواه أبو النضر هاشم بن القاسم ، عن عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

وقد روي عن أبي هريرة هذا الحديث أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق صحاح ثابتة ، منها حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، ومنها حديث ابن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، كلها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وروي معناه من حديث ابن مسعود ، وأحاديث هذا الباب ثابتة في هذا المعنى .

وروى مالك ، عن عبد الله بن دينار أنه قال : سمعت عبد الله بن عمر يسأل عن الكنز : ما هو ؟ ، قال : هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة .

[ ص: 147 ] أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعله الله يوم القيامة يحمى عليها في نار جهنم فيكوى به جنبه وجبهته وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار ، وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت , فيبطح لها بقاع قرقر فتنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها , كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار ، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفافها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار .

قال أبو داود : وحدثنا جعفر بن مسافر ، قال : أخبرنا ابن أبي فديك ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن [ ص: 148 ] أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه ، قال في قصة الإبل بعد قوله : لا يؤدي حقها ، قال : ومن حقها حلبها يوم ورودها قال : وحدثنا الحسن بن علي ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي عمر الغداني ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذه القصة ، فقال له ، يعني لأبي هريرة : فما حق الإبل ؟ ، قال : تعطي الكريمة وتمنح الغزيرة وتفقر الظهر وتطرق الفحل وتسقي اللبن .

قال أبو عمر : إلى هذا ذهب من جعل في المال حقا سوى الزكاة وتأول قول الله عز وجل : ( في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) ، وقد بينا هذا المعنى فيما سلف من كتابنا هذا .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث سمرة أنه قال : في الأموال حق سوى الزكاة .

[ ص: 149 ] وقد ذهب في تأويل قول الله عز وجل : ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) إلى هذا المذهب مسروق بن الأجدع ، وكان من كبار أصحاب ابن مسعود .

وروي عن ابن مسعود مثله أيضا ، ذكر ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم ، عن أبي وائل ، عن مسروق في قوله : ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) قال : هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته الحق الذي فيه , فيجعل حية يطوقها فيقول : ما لي ولك ؟ فتقول الحية : أنا مالك . قال : وحدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) ( ، قال : ثعبان بفيه زبيبتان ينهشه يقول : أنا مالك الذي بخلت به ، وليس في هذا بيان أنه غير الزكاة ، والأكثر على أن ذلك في الزكاة ، والله أعلم .

وروى هذا الحديث شعبة وسفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي وائل : أنه سمع ابن مسعود يقول في هذه الآية ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) قال شعبة في حديثه : شجاع أسود يلتوي برأس أحدهم ، وقال سفيان في حديثه : ثعبان ينقر برأسه يقول : أنا مالك الذي بخلت به ، وأبو [ ص: 150 ] الأحوص ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله مثله ، قال : يطوق شجاع أقرع بفيه زبيبتان وذكر مثله ، وهو قول الشعبي ، وقال النخعي : طوق من نار .

وقد روي عن ابن مسعود في هذه الآية ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) ، قال : ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا جاء يوم القيامة شجاع أقرع يطوق في عنقه ينهشه .

وعلى هذا جاء حديث مالك ، عن ابن عمر ، وأبي هريرة ، وقد روي خبر ابن مسعود مرفوعا ، أخبرناه عبد الله بن محمد بن أسد ، حدثنا حمزة بن محمد ، حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا مجاهد بن موسى ، حدثنا ابن عيينة ، عن جامع بن أبي راشد ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل له طوقا في عنقه شجاع أقرع ، فهو يفر منه ، وهو يتبعه ، ثم قرأ مصداقه من كتاب الله ( ولا يحسبن الذين يبخلون ) إلى قوله : ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) .

حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا محمد بن أحمد بن المسور بن أبي المنة وبكير بن الحسن الرازي ، قالا : حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : أخبرنا أسد بن موسى ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : من كان له [ ص: 151 ] مال لا يؤدي زكاته طوقه يوم القيامة شجاعا أقرع ينقر رأسه يقول : أنا مالك الذي كنت تبخل بي وتلا ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) .

قال : وحدثنا أسد ، حدثنا يزيد بن عطاء ، عن أبي إسحاق ، عن شقيق بن سلمة ، عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) ، قال : يطوق شجاعا له زبيبتان ينقر رأسه .

وأخبرنا عبد الله ، حدثنا حمزة ، حدثنا أحمد ، حدثنا أبو صالح المكي ، قال : حدثنا فضيل بن عياض ، عن حصين ، عن زيد بن وهب ، قال : أتيت الربذة فدخلت على أبي ذر ، فقلت : ما أنزلك هذا ؟ ، فقال : كنت بالشام ، فقرأت هذه الآية ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) الآية ، فقال معاوية : ليست هذه الآية فينا نزلت ، إنما هي في أهل الكتاب ، فقلت : إنها فينا ، وفي أهل الكتاب إلى أن كان قول وتنازع ، وكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان : أن أقدم فقدمت المدينة وكثر ورائي الناس كأنهم لم يروني قط ، فدخلت على [ ص: 152 ] عثمان فشكوت إليه ذلك ، فقال : تنح وكن قريبا . فنزلت هذا المنزل ، والله لو أمر علي حبشيا ما عصيته ، ولا أرجع عن قولي .

وأخبرنا عبد الله ، حدثنا حمزة ، حدثنا أحمد أخبرنا عمران بن بكار بن راشد ، حدثنا علي بن عياش ، حدثنا شعيب ، قال : حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث به قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه صاحبه ويطلبه : أنا كنزك ، فلا يزال به حتى يلقمه أصبعه .

وحدثنا عبد الله ، حدثنا حمزة ، حدثنا أحمد أخبرنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا الليث ، عن ابن عجلان ، عن القعقاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعا أقرع ذا زبيبتين يتبع صاحبه ، وهو يتعوذ منه ، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه أصبعه .

[ ص: 153 ] الشجاع الحية ، وقيل : الثعبان ، وقيل : الشجاع من الحيات الذي يواثب ويقوم على ذنبه وربما بلغ رأس الفارس , وأكثر ما يكون في الصحاري ، قال الشماخ ، أو البعيث :


وأطرق إطراق الشجاع وقد جرى على حد نابيه الذعاف المسمم

وقال المتلمس :


فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى     مساغا لنابيه الشجاع لصمما

والزبيبتان نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوتين ، وقيل : نقطتان سوداوان وكل ما كثر سمه فيما زعموا ابيض رأسه ، وهي علامة الحية الذكر المؤذي ، والأقرع من صفات الحيات الذي برأسه شيء من بياض .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث