الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآثار الدالة على علمه وفضله وزهده وورعه وعبادته وتنسكه

457 - أحمد بن عاصم الأنطاكي

ومنهم القاصم الهاشم ، اللائم الناقم الأنطاكي أحمد بن عاصم رحمه الله ، كان للهوى قاصما ، ولشرور النفس هاشما ، يديم القيام وينقم على اللوام .

حدثنا أبي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، ثنا أحمد بن عبد العزيز بن محمد الدمشقي ، عن أحمد بن عاصم الأنطاكي ، قال : " كل نفس مسئولة فمرتهنة أو مخلصة ، وفكاك الرهون بعد قضاء الديون ، فإذا أغلقت الرهون أكدت الديون ، وإذا أكدت الديون استوجبوا السجون " .

حدثنا أبي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، أخبرني عبد العزيز بن محمد ، عن أحمد بن عاصم ، قال : " ارجع إلى الاستعانة بالله على شرور هذه الأنفس ومخالفة هذه الأهواء ومجاهدة هذا العدو ، واشتغل به مضطرا إليه ، خائفا من عقابه راجيا لثوابه ، واعلم أن بينك وبين درجة الصدق أن تنالها عقبة الكذب أن تقطعها ، فاستعن على قطعها بالخوف الحاجز ، وبصدق المناجاة للاضطرار بقلب موجع ، مع ذلك يصفو القلب ويكثر تيقظه وتتسور عليه طوارق الأحزان ، وتقل فيه الغفلة ، والعين الذي يتفجر منه الخوف والشكر ومخرج الشكر من اليقين عزيز غير موجود " .

حدثنا أبي ، وعبد الله بن محمد ، ومحمد ، قالوا : أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، قال : قرأت على عبد العزيز بن محمد الدمشقي ، عن أحمد بن عاصم الأنطاكي ، قال : " تلذذت الجوارح بذكرها ، وهشت الأبدان لاستماعها ووضحت العقول حقائقها ، وهان على المسامع وعيها ، مستأنسة إليها أرواح الموقنين ، [ ص: 281 ] مطمئنة إليها أنفس المتقين ، والهة عليها أبصار المتفكرين ، قنعة بها قلوب المستبصرين ، متناهية إليها أوهام المتوهمين ساكنة إليها فكر الناظرين ، مستبشرة بها إخلاص الصديقين ، كلمة خف على القلوب محملها ، ولان على الجوارح ملفظها ، وسلس على الألسن تردادها ، وعذب على اللهوات مقالتها ، وبرد على الأكباد لذاذتها " .

حدثنا أبي ، وأبو محمد بن حيان ، وأبو بكر ، قالوا : ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، قال : قرأت على عبد العزيز بن محمد بن المختار الدمشقي ، عن أحمد بن عاصم ، أنه قال : " احذر هذا الوعيد ، وخذ في المحاسبة ، واعقل درجتك ، ولا تزهو عند الخلائق بكثرة تقياتك ، وجوهرك جوهر الفضائح ، وسيماك سيما الأبرار ، واستح من الله عز وجل في تضييعك من قبل أن لا تستحييك الخزنة من المبالغة في عذابك ، فإن خزنة جهنم تغضب لله عز وجل عليك ما لا تغضب أنت لله على نفسك في معصيتك إياه ، فاستح من قبولك من نفسك دعواها الصدق وقد افتضحت عندك وبان جوهرها من خالص ضميرها بإيثارها محجة الكذب على محجة الصدق ، وليصح عداوتك إياها ، وليكن لك في الحق حظ ونصيب كامل بإقرارك لله عليها بكذبها وكن سخين العين على ما ظهر لك منها ، ولتكن عندك في عداد المستدرجين وأجرها في ميزان الكذابين ، فإنه حكي عن عزير أنه قال : إله البرية ، إني لأعد نفسي مع أنفس الكذابين الظالمين وروحي مع أرواح الهلكى وبدني مع أبدان المعذبين " .

حدثنا إسحاق بن أحمد بن علي ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، ثنا أحمد بن عاصم أبو عبد الله الأنطاكي ، قال : " إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح " .

حدثنا إسحاق بن أحمد ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، ثنا أحمد بن عاصم ، قال : " هذه غنيمة باردة ، أصلح فيما بقي يغفر لك فيما مضى " .

حدثنا إسحاق ، ثنا إبراهيم ، ثنا أحمد ، ثنا أحمد بن عاصم ، قال : قال فضيل [ ص: 282 ] بن عياض لابنه علي : " يا بني لعلك ترى أنك مطيع لصرصر من صراصر الحش أطوع لله منك " - يعني بالصرصر : الذي يصيح بالليل .

حدثنا إسحاق ، ثنا إبراهيم ، ثنا أحمد ، قال : سمعت أبا عبد الله الأنطاكي ، يقول : " ما أغبط أحدا إلا من عرف مولاه ، وأشتهي أن لا أموت حتى أعرفه معرفة العارفين الذين يستحيونه ، لا معرفة التصديق " .

حدثنا أبي ، وأبو محمد بن حيان ، قالا : ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين ، ثنا موسى بن عمران بن موسى الطرسوسي ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، قال : سمعت أحمد بن عاصم ، يقول : " أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي " ، وقال لي : " يا أبا أحمد : ليس المعرفة الإقرار به ولكن المعرفة التي إذا عرفت استحييت " .

حدثنا أبي ، وأبو محمد قالا : ثنا إبراهيم ، ثنا عمران بن موسى ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، قال : سمعت أحمد بن عاصم ، يقول : " الخير كله في حرفين ، قلت : وما هما ؟ قال : تزوى عنك الدنيا ويمن عليك بالقنوع ، ويصرف عنك وجوه الناس ويمن عليك بالرضى " .

حدثنا إسحاق بن أحمد ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، قال : سمعت أبا عبد الله الأنطاكي ، يقول : " ليس شيء خيرا من أن لا تمتحن بالدنيا - أي : لا تتعرض لها " - .

سمعت أبي يقول : سمعت خالي عثمان بن محمد بن يوسف يقول : سمعت أبي يقول : قال أحمد بن عاصم الأنطاكي : " أنفع اليقين ما عظم في عينك ما به قد أيقنت ، وصغر في عينك ما دون ذلك ، وأثبت الخوف ما حجزك عن المعاصي ، وأطال منك الحزن على ما قد فات وألزمك الفكر في بقية عمرك وخاتمة أمرك ، وأنفع الرجاء ما سهل عليك العمل لإدراك ما ترجو ، وألزم الحق إنصافك الناس من نفسك ، وقبولك الحق ممن هو دونك ، وأنفع الصدق أن تقر لله بعيوب نفسك ، وأنفع الإخلاص ما نفى عنك الرياء والتزين ، وأنفع الحياء أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره ، وأنفع الشكر أن تعرف منه ما ستر عليك من مساويك فلم يطلع أحدا من المخلوقين عليك " .

[ ص: 283 ] سمعت أبي يقول : سمعت عثمان بن محمد بن يوسف ، يقول : سمعت أبي يقول : قال أحمد بن عاصم الأنطاكي : " أنفع الصدق ما نفى عنك الكذب في مواطن الصدق ، وأنفع التوكل ما وثقت بضمانه وأحسنت طلبته ، وأنفع الغنى ما نفى عنك الفقر وخوف الفقر ، وأنفع الفقر ما كنت فيه متجملا وبه راضيا ، وأنفع الحزم ما طرحت به التسويف للعمل عند إمكان الفرصة وانتهاز البغية في أيام المهلة ، وعند غفلة أهل الغرة ، وأنفع الصبر ما قواك على خلاف هواك ولم يجد الجزع فيك مساغا ، وأنفع الأعمال ما سلمت من آفاتها وكانت منك مقبولة ، وأنفع الأناة والتؤدة حسن التدبير والفكر والنظر أمام العمل فإنهما يفيدان المعرفة بثواب العمل ، فيحتمل للثواب مؤنة العمل ويغبط يوم المجازاة ، وأنفع العمل ما ضر جهله وازداد بمعرفته وجعا وكنت به عاملا ، وأنفع التواضع ما أذهب عنك الكبر وأمات عنك الغضب ، وأنفع الكلام ما وافق الحق ، وأنفع الصمت ما صمت عما إذا نطقت به عظمت فعشت ، وأضر الكلام ما كان الصمت خيرا لك منه ، وألزم الحق أن تلزم نفسك بأداء ما ألزمها الله تعالى من حقه وإن كان في ذلك خلاف هواك ، وتلزم والديك وولدك ثم الأقرب فالأقرب فألزمهم من الحق ، وإن كان في ذلك خلاف هواك وخلاف أهوائهم ، وأنفع العلم ما رد عنك الجهل والسفه ، وأنفع الإياس ما أمات منك الطمع من المخلوقين ، فإنه مفتاح الذل واختلاس العقل وأخلاق المروءات ، وتدنيس العرض وذهاب العلم ، وردك إلى الاعتصام بربك والتوكل عليه .

وأفضل الجهاد مجاهدتك نفسك فتردها إلى قبول الحق ، وأوجب الأعداء مجاهدة أقربهم منك دنوا وأخفاهم عنك شخصا وأعظمهم لك عداوة مع دنوه منك ، ومن يحرض جميع أعدائك عليك ، وهو إبليس الموكل بوسواس القلوب ، فله فلتشتد عداوتك ولا تكونن أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك على مجاهدته ليخافك ، فإنه أضعف منك ركنا في قوته وأقل ضررا في كثرة شره إذا أنت اعتصمت بالله ، وأضر المعاصي عليك إعمالك الطاعات بالجهل ؛ لأن إعمالك المعاصي لا ترجو لها ثوابا بل تخاف عليها عقابا [ ص: 284 ] ، وإعمالك الطاعات بالجهل فاسدة تلتمس لها ، وقد استوجبت لها عقابا ، فكم بين ذنب يخاف فيه العقوبة ، والخوف طاعة ، وبين ذنب أنت فيه آمن من العقوبة ؟ والأمن من معصية .

قلت : فما تقول في المشاورة ؟ قال : لا تثقن فيها بغير الأمين ، قلت : فما تقول في المشورة ؟ قال : انظر فيها لنفسك بدءا كيف تسلم من كلامك ، فإذا كنت كذلك ألهمت رشدك فتتقي وتوثق ، قلت : فما ترى في الأنس بالناس ؟ قال : إن وجدت عاقلا مأمونا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع ، قلت : فما أفضل ما أتقرب به إلى الله عز وجل ؟ قال : ترك معاصيه الباطنة ، قلت : فما بال الباطنة أولى من الظاهرة ؟ قال : لأنك إذا اجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة والباطنة ، قلت : فما أضر المعاصي ؟ قال : ما لا تعلم أنها معصية ، وأضر منها ما ظننت أنها طاعة وهي لله معصية ، قلت : فأي المعاصي أنفع لي ؟ قال : ما جعلتها نصب عينيك فأطلت البكاء عليها إلى مفارقتك الدنيا ، ثم لم تعد في مثلها وذلك التوبة النصوح ، قلت : فما أضر الطاعات لي ؟ قال : ما نسيت بها مساويك وجعلتها نصب عينيك إدلالا بها ، وأمنا واغترارا منك من خوف ما قد جنيت وذلك للعجب ، قلت : فأي المواضع أخفى لشخصي ؟ قال : صومعتك وداخل بيتك ، قلت : فإن لم أسلم في بيتي ؟ قال : ففي المواضع التي لم تلحق بك فيها شهوة وتحط بك فتنة ، قلت : فما أنفع لطف الله لي ؟ قال : إذا عصمك من معاصيه ووفقك لطاعته ، قلت : هذا مجمل أعطني تفسيرا أوضح منه ، قال : نعم إذا أعانك بثلاث : عقل يكفيك مؤنة هواك ، وعلم يكفيك جهلك ، وغنى يذهب عنك خوف الفقر " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، قال : قرأت على عبد العزيز بن محمد ، قال : سمعت الأنطاكي ، يقول : " أما بعد ، فإن أهل الطاعة قد قدموا بين يدي الأعمال لطيف المعرفة بالأسباب التي يستديمون بها صالح الأعمال ويسهل عليهم مأخذه ، وصيروا أعمالهم في الدنيا يوما واحدا وليلة واحدة ، كلما مضت استأنفوا النية وطلبوا من أنفسهم حسن الصحبة ليومهم [ ص: 285 ] وليلتهم ، فكلما مضى عنهم يوم وليلة راقبوا أنفسهم فيها على جميل الطاعة كان عندهم غنما ، وذكروا اليوم الماضي فسروا به وصبروا أنفسهم فيها على المستقبل لانقضاء الأجل فيه أو في ليلته فأطرحوا شغل القلب بانقضاء تذكر غد ، وأعملوا أبدانهم وجوارحهم وفرغوا له قلوبهم فقصرت عندهم الآمال ، وقربت منهم الآجال وتباعدت أسباب وساوس الدنيا من قلوبهم ، وعظم شغل الآخرة في صدورهم ، ونظروا إلى الآخرة بعين بصيرة ، وتقربوا إلى الله عز وجل بأعمال زاكية ، واستقامت لهم السيرة حتى وجدوا حلاوة الطاعة في الدنيا حين ساعدتهم الزيادة في التقوى فقرت بالخوف أعينهم ، وتنعموا بالحزن في عبادتهم حتى نحلت أجسامهم وبليت أجسادهم ويبست على عظامهم جلودهم ، وقل مع المخلوقين كلامهم ، وتلذذوا بمناجاة خالقهم ، فقلوبهم بملكوت السماوات متعلقة ، وذكرهم بأهوال القيامة مقبلة مدبرة ، أبدانهم بين المخلوقين عارية فعموا عن الدنيا وصموا عنها وعن أهلها وما فيها ، وضح لهم أمر الآخرة حتى كأنهم ينظرون إليها ، فتخلص إلى ذلك قوم من طريق الاجتهاد ، لتذل لهم الأنفس وتخضع لهم الجوارح ، فاجتهد قوم في الصلاة لدوام الخشوع عليهم ، واجتهد قوم في الصوم لهدو الجوارح عنهم ، واجتهد قوم في ترك الشهوات وطلب الفوز وذلك من رياضة الأنفس حتى أفضوا بالأنفس إلى الجوع ونحول الجسم " .

حدثنا أبي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، قال : قرأت على عبد العزيز بن محمد ، عن أبي عبد الله الأنطاكي ، قال : " إن الحكماء نظروا إلى الدنيا بعين القلى إذ صح عندهم أن شهوات الدنيا تفسد عليهم حكمتهم ، ونظروا إلى الآخرة بأعين قلوبهم فصيروا الدنيا عندهم معبرا يجوزون عليها لا حاجة لهم في الإقامة فيها ، والآخرة منزلا لا يريدون بها بدلا ولا عنها حولا ، فسرحت أحوالهم في ملكوت السماء واتخذوا للمكروه في جنب الله تعالى جنة ، همومهم في قلوبهم وقلوبهم عند ربهم ، نظروا بأعين القلوب واستربحوا دلالات العقول على جلب الهدى ، نظروا بأعين قلوبهم إلى الآخرة [ ص: 286 ] فأيقنوا واستبصروا ، ونظروا بأعين الوجوه إلى الدنيا فاعتبروا وانزجروا فاستصغروا ما أحاطت به أعين الوجوه من الدنيا واستعظموا ما أحاطت به عين القلوب من ملك الآخرة " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث