الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن

المسألة الثالثة : اختلفوا في أن لفظ ( المشرك ) هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ، فأنكر بعضهم ذلك ، والأكثرون من العلماء على أن لفظ ( المشرك ) يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب ، وهو المختار ، ويدل عليه وجوه :

أحدها : قوله تعالى : ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) [التوبة : 30] ثم قال في آخر الآية : ( سبحانه عما يشركون ) [التوبة : 31] وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشركان .

وثانيها : قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [النساء : 48] دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى في الجملة ، فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة ، ولما كان ذلك باطلا علمنا أن كفرهما شرك

وثالثها : قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) [المائدة : 73] فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة ، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة ، والأول باطل ; لأن المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه قادرا ومن كونه حيا ، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها ، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام ، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك ، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم ؛ لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلة ، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى ، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ، ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها ، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات ، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية ، وهذا شرك ، وقول بإثبات الآلهة ، فكانوا مشركين ، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك ; وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق .

ورابعها : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر أميرا وقال : إذا لقيت عددا من المشركين فادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، سمى [ ص: 49 ] من يقبل منه الجزية وعقد الذمة بالمشرك ، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك .

وخامسها : ما احتج به أبو بكر الأصم فقال : كل من جحد رسالته فهو مشرك ، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر ، وكانوا منكرين صدورها عن الله تعالى ، بل كانوا يضيفونها إلى الجن والشياطين ; لأنهم كانوا يقولون فيها : إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين ، فالقوم قد أثبتوا شريكا لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر ، فوجب القطع بكونهم مشركين ; لأنه لا معنى للإله إلا من كان قادرا على خلق هذه الأشياء . واعترض القاضي فقال : إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور الخارجة عن قدرة البشر ، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى كان مشركا ، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركا بسبب [نسبته] ذلك إلى غير الله تعالى .

والجواب : أنه لا اعتبار بإقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشر أم لا ، إنما الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر ، فمن نسب ذلك إلى غير الله تعالى كان مشركا ، كما أن إنسانا لو قال : إن خلق الجسم والحياة من جنس مقدور البشر ، ثم أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب كان مشركا فكذا ههنا ، فهذا مجموع ما يدل على أن اليهودي والنصراني يدخلان تحت اسم المشرك . واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين أهل الكتاب وبين المشركين في الذكر ، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم المشرك ، وإنما قلنا : إنه تعالى فصل لقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ) [الحج : 17] وقال أيضا : ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) [البقرة : 105] وقال : ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) [البينة : 1] ففي هذه الآيات فصل بين القسمين وعطف أحدهما على الآخر ، وذلك يوجب التغاير .

والجواب : أن هذا مشكل بقوله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) [الأحزاب : 7] وبقوله تعالى : ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) [البقرة : 98] فإن قالوا : إنما خص بالذكر تنبيها على كمال الدرجة في ذلك الوصف المذكور ، قلنا : فههنا أيضا إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الاسم تنبيها على كمال درجتهم في هذا الكفر ، فهذا جملة ما في هذه المسألة .

ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود والنصارى يندرجون تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين : فقال قوم : وقوع هذا الاسم عليهم من حيث اللغة لما بينا أن اليهود والنصارى قائلون بالشرك . وقال الجبائي والقاضي : هذا الاسم من جملة الأسماء الشرعية . واحتجا على ذلك بأنه قد تواتر النقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يسمي كل من كان كافرا بالمشرك ، ومن كان في الكفار من لا يثبت إلها أصلا أو كان شاكا في وجوده ، أو كان شاكا في وجود الشريك ، وقد كان فيهم من كان عند البعثة منكرا للبعث والقيامة ، فلا جرم كان منكرا للبعثة والتكليف ، وما كان يعبد شيئا من الأوثان ، والذين كانوا يعبدون الأوثان فيهم من كانوا يقولون : إنها شركاء الله في الخلق وتدبير العالم ، بل كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، فثبت أن الأكثرين منهم كانوا مقرين بأن إله العالم واحد وأنه ليس له في الإلهية معين في خلق العالم وتدبيره وشريك ونظير ، إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من الأسماء اللغوية ، بل من الأسماء الشرعية ، كالصلاة والزكاة وغيرهما ، وإذا كان كذلك وجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم ، فهذا جملة الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث