الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل شهادة من يسم الغناء

جزء التالي صفحة
السابق

( 8366 ) فصل : واختلف أصحابنا في الغناء ; فذهب أبو بكر الخلال ، وصاحبه أبو بكر عبد العزيز ، إلى إباحته . قال أبو بكر عبد العزيز : والغناء والنوح معنى واحد ، مباح ما لم يكن معه منكر ، ولا فيه طعن . وكان الخلال يحمل الكراهة من أحمد على الأفعال المذمومة ، لا على القول بعينه . وروي عن أحمد ، أنه سمع عند ابنه صالح قوالا ، فلم ينكر عليه ، وقال له صالح : يا أبت ، أليس كنت تكره هذا ؟ فقال : إنه قيل لي : إنهم يستعملون المنكر .

وممن ذهب إلى إباحته من غير كراهة ، سعد بن إبراهيم ، وكثير من أهل المدينة ، والعنبري ; لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : { كانت عندي جاريتان تغنيان ، فدخل أبو بكر ، فقال : مزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعهما ، فإنها أيام عيد } . متفق عليه . وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : الغناء زاد الراكب . واختار القاضي أنه مكروه غير محرم . وهو قول الشافعي ، قال : هو من اللهو المكروه . وقال أحمد : الغناء ينبت النفاق في القلب ، لا يعجبني .

[ ص: 175 ] وذهب آخرون من أصحابنا إلى تحريمه . قال أحمد : في من مات وخلف ولدا يتيما ، وجارية مغنية ، فاحتاج الصبي إلى بيعها ، تباع ساذجة . قيل له : إنها تساوي مغنية ثلاثين ألفا ، وتساوي ساذجة عشرين دينارا . قال : لا تباع إلا على أنها ساذجة . واحتجوا على تحريمه بما روي عن ابن الحنفية في قوله تعالى : { واجتنبوا قول الزور } . قال : الغناء . وقال ابن عباس ، وابن مسعود ، في قوله : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ، قال : هو الغناء . وعن أبي أمامة ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء المغنيات ، وبيعهن ، والتجارة فيهن ، وأكل أثمانهن حرام } . أخرجه الترمذي ، وقال : لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد ، وقد تكلم فيه أهل العلم .

وروى ابن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الغناء ينبت النفاق في القلب } . والصح أنه من قول ابن مسعود . وعلى كل حال ، من اتخذ الغناء صناعة ، يؤتي له ، ويأتي له ، أو اتخذ غلاما أو جارية مغنين ، يجمع عليهما الناس ، فلا شهادة له ; لأن هذا عند من لم يحرمه سفه ودناءة وسقوط مروءة ، ومن حرمه فهو مع سفهه عاص . مصر متظاهر بفسوقه . وبهذا قال الشافعي ، وأصحاب الرأي . وإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء ، وإنما يترنم لنفسه ، ولا يغني للناس ، أو كان غلامه وجاريته إنما يغنيان له ، انبنى هذا على الخلاف فيه .

فمن أباحه أو كرهه ، لم ترد شهادته ، ومن حرمه ، قال : إن داوم عليه ، ردت شهادته ، كسائر الصغائر ، وإن لم يداوم عليه ، لم ترد شهادته . وإن فعله من يعتقد حله ، فقياس المذهب أنه لا ترد شهادته بما لا يشتهر به منه ، كسائر المختلف فيه من الفروع . ومن كان يغشى بيوت الغناء ، أو يغشاه المغنون للسماع متظاهرا بذلك ، وكثر منه ، ردت شهادته ، في قولهم جميعا ; لأنه سفه ودناءة . وإن كان معتبرا به ، فهو كالمغني لنفسه ، على ما ذكر من التفصيل فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث