الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة

جزء التالي صفحة
السابق

( و ) يعذر في ترك الجمعة والجماعة ( من يدافع الأخبثين ) البول والغائط ( أو ) يدافع ( أحدهما ) ; لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها ( أو بحضرة طعام يحتاج إليه وله الشبع ) نص عليه لخبر أنس في الصحيحين { ولا تعجلن حتى تفرغ منه } ( أو خائف من ضياع ماله ، كغلة في بيادرها ، ودواب وأنعام لا حافظ لها غيره ونحوه أو ) خائف من ( تلفه كخبز في تنور وطبيخ على نار ونحوه ، أو ) خائف ( فواته كالضائع يدل به ) أي عليه ( في مكان ، كمن ضاع له كيس أو أبق له عبد وهو يرجو وجوده ، أو قدم به من سفر إن لم يقف لأخذه ضاع لكن قال المجد ) عبد السلام بن تيمية ( الأفضل ترك ما يرجو وجوده ويصلي الجمعة والجماعة ) [ ص: 496 ] لأن ما عند الله خير وأبقى وربما لا ينفعه حذره ( أو ) خائف من ( ضرر فيه ) أي ماله ( أو في معيشة يحتاجها ، أو أطلق الماء على زرعه أو بستانه ، يخاف إن تركه فسد أو كان مستحفظا على شيء يخاف عليه ) الضياع ( إن ذهب وتركه ، كناطور بستان ونحوه ) ; لأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق .

قال ابن عقيل خوف فوت المال عذر في ترك الجماعة إن لم يتعمد سببه ، بل حصل اتفاقا

تنبيه قال في القاموس : الناطر والناطور : حافظ الكرم والنخل أعجمي ، الجمع نطار ونطراء ونواطير ونطرة والفعل النطر والنطارة بالكسر ( أو كان عريانا ولم يجد سترة ، أو لم يجد إلا ما يستر عورته فقط ، ونحوه في غير جماعة عراة ) لما يلحقه من الخجل فإن كانوا عراة كلهم صلوا جماعة وجوبا وتقدم ( أو خائف موت رفيقه أو قريبه ، ولا يحضره ، أو لتمريضهما ) يقال : مرضته تمريضا ، قمت بمداواته ، قاله في المصباح ( إن لم يكن عنده ) أي المريض ( من يقوم مقامه ) ; لأن ابن عمر استصرخ على سعيد بن زيد وهو يتجمر للجمعة ، فآتاه بالعقيق وترك الجمعة .

قال في الشرح : ولا نعلم في ذلك خلافا ( أو خائف على حريمه أو نفسه من ضرر أو سلطان ظالم أو سبع أو لص أو ملازمة غريم ) ولا شيء معه يعطيه ( أو حبسه بحق لا وفاء له ) ; لأن حبس المعسر ظلم وكذا إن كان الدين مؤجلا وخشى أن يطالبه به قبل محله وظاهره : أنه إذا قدر على أداء دينه فلا عذر للنص ( أو ) خاف ( فوات رفقة مسافر سفرا مباحا منشئا ) للسفر ( أو مستديما ) له ; لأن عليه في ذلك ضررا ( أو غلبه نعاس يخاف معه فوتها ) أي الصلاة ( في الوقت أو ) يخاف معه فوتها ( مع الإمام ) ; لأن رجلا صلى مع معاذ ثم انفرد ، فصلى وحده عند تطويل معاذ وخوف النعاس والمشقة فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره . ذكره في الشرح والمبدع .

وفي المذهب والوجيز : يعذر فيهما أي الجمعة والجماعة بخوفه نقض الوضوء بانتظارهما ( والصبر والتجلد على دفع النعاس ويصلي معهم ) جماعة ( أفضل ) لما فيه من نيل فضل الجماعة ( أو تطويل إمام ) لما تقدم من فعل ذلك الرجل الذي انفرد عن معاذ لتطويله ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ( أو من عليه قود إن رجا العفو ) عنه وظاهره ولو على مال حتى يصالح ( ومثله ) أي القود ( حد قذف ) ; لأنه حق آدمي وهذا توجيه لصاحب الفروع ولهذا قال في شرح المنتهى : وكذا لو كان [ ص: 497 ] لآدمي كحد قذف على الصحيح أي أنه لا يكون عذرا وقطع به في الشرح وغيره .

( ومن عليه حد لله ) تعالى كحد الزنا وشرب الخمر وقطع السرقة ( فلا يعذر به ) في ترك الجمعة والجماعة ; لأن الحدود لا يدخلها المصالحة ، بخلاف القصاص ( أو متأذ بمطر أو وحل ) بتحريك الحاء والتسكين لغة رديئة ( أو ثلج أو جليد أو ريح باردة في ليلة مظلمة ) لقول ابن عمر { كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر صلوا في رحالكم } متفق عليه ورواه ابن ماجه بإسناد صحيح ولم يقل في السفر .

وفي الصحيحين عن { ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير زاد مسلم في يوم جمعة إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة ، قل صلوا في بيوتكم قال فكأن الناس استنكروا ذلك فقال ابن عباس أتعجبون من ذلك ؟ فقد فعل هذا من هو خير مني النبي صلى الله عليه وسلم إن الجمعة عزيمة وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض } والثلج والجليد ، والبرد كذلك إذا تقرر ذلك فالريح الباردة في الليلة المظلمة عذر ; لأنها مظنة المطر .

( ولو لم تكن الريح شديدة ) خلافا لظاهر المقنع وذكر أبو المعالي ، أن كل ما أذهب الخشوع كالحر المزعج : عذر ولهذا جعله الأصحاب كالبرد في المنع من الحكم والإفتاء ( والزلزلة عذر قاله أبو المعالي ) ; لأنها نوع خوف .

( قال ابن عقيل ومن له عروس تجلى عليه ) أي على وجه مباح فهو عذر ( والمنكر في طريقه ) إلى المسجد ( ليس عذرا نصا ) ; لأن المقصود الذي هو الجمعة أو الجماعة مقصود لنفسه لا قضاء حق لغيره وكذا المنكر في المسجد كدعاء البغاة ليس عذرا أو ينكره بحبسه .

( ولا العمى ) فليس عذرا ( مع قدرته ) لما تقدم أول الباب ( فإن عجز ) الأعمى عن قائد ( فتبرع قائد ) بقوده ( لزمه ) حضور الجمعة ، لا الجماعة ، كما ظهر في المنتهى وغيره وأشرت إليه آنفا .

( ولا الجهل بالطريق ) أي ليس عذرا ( إن وجد من يهديه ) أي يدله على المسجد . تتمة : قال في الخلاف وغيره : ويلزمه ، أي الأعمى إن وجد ما يقوم مقام القائد ، كمد الحبل إلى موضع الصلاة واقتصر عليه في الفروع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث