الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة يشترك في الأضحية الواحدة الجماعة

جزء التالي صفحة
السابق

984 - مسألة : وجائز أن يشترك في الأضحية الواحدة أي شيء كانت الجماعة من أهل البيت وغيرهم ، وجائز أن يضحي الواحد بعدد من الأضاحي { ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين } كما ذكرنا آنفا ولم ينه عن أكثر من ذلك ، والأضحية فعل خير ، فالاستكثار من الخير حسن .

وقال أبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو سليمان : تجزئ البقرة ، أو الناقة عن سبعة فأقل أجنبيين وغير أجنبيين يشتركون فيها ، ولا تجزئ عن أكثر ، ولا تجزئ الشاة إلا عن واحد .

وقال مالك : يجزئ الرأس الواحد من الإبل ، أو البقر ، أو الغنم عن واحد ، وعن أهل البيت - وإن كثر عددهم وكانوا أكثر من سبعة إذا أشركهم فيها تطوعا - ولا تجزئ إذا اشتروها بينهم بالشركة ولا عن أجنبيين فصاعدا .

قال أبو محمد : الأضحية فعل خير وتطوع بالبر فالاشتراك في التطوع جائز ما لم يمنع من ذلك نص قال تعالى : { وافعلوا الخير } فالمشتركون فيها فاعلون للخير ; فلا معنى لتخصيص الأجنبيين بالمنع ، ولا معنى لمنع ذلك بالشراء ; لأنه كله قول بلا برهان أصلا لا من قرآن ، ولا سنة ، ولا رواية سقيمة ، ولا قياس .

وقد أباح الليث الاشتراك في الأضحية في السفر - وهذا تخصيص لا معنى له أيضا . [ ص: 46 ]

روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة أم المؤمنين أو أبي هريرة { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين ، سمينين ، أقرنين أملحين ، موجوءين ، فيذبح أحدهما عن أمته من شهد لله بالتوحيد وله بالبلاغ ، ويذبح الآخر عن محمد وآل محمد } .

فهذا أثر صحيح عندهم ، وعلى رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عول المالكيون في خبر الصلاة { تحريمها التكبير وتحليلها التسليم } .

وروينا من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر : البدنة عن واحد ، والبقرة عن واحد ، والشاة عن واحد ، لا أعلم شركا .

وصح عن محمد بن سيرين : لا أعلم دما واحدا يراق عن أكثر من واحد .

وصح من طريق ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن مسعر بن كدام عن حماد بن أبي سليمان : لا تكون ذكاة نفس عن نفسين وكرهه الحكم .

وقول آخر رويناه من طريق ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال : الجزور ، والبقرة ، عن سبعة من أهل البيت لا يدخل معهم من غيرهم - : كل هذا مخالف لقول مالك لأن ابن عمر لم يجز الرأس الواحد إلا عن واحد ، وكذلك ابن سيرين ، وحماد ، وعلي أجاز الناقة أو البقرة عن سبعة من أهل البيت لا أكثر .

ومن طريق ابن أبي شيبة عن ابن علية عن سعيد عن قتادة عن سليمان بن يسار عن عائشة أم المؤمنين قالت : البقرة والجزور عن سبعة .

وعن ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك ، وسعيد بن المسيب ، والحسن قالوا كلهم : البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة يشتركون فيها وإن كانوا من غير أهل دار واحدة . [ ص: 47 ]

ومن طريق ابن أبي شيبة نا محمد بن فضيل عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون كانوا يذبحون البقرة والبعير عن سبعة .

ومن طريق وكيع عن سفيان عن حماد عن إبراهيم قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : البقرة ، والجزور عن سبعة .

قال علي : هذا حماد قد روى ما ذكرنا عن الصحابة ، ثم خالف ما روي ولم ير ذلك إجماعا كما يزعم هؤلاء - : وعن ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن مسلم عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود البقرة والجزور عن سبعة - : وعن وكيع عن سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن خالد بن سعد عن أبي مسعود قال : البقرة عن سبعة - ورويناه أيضا عن حذيفة ، وجابر ، وعلي ، وصح عن سعيد بن المسيب البدنة عن عشرة - وروينا ذلك أيضا عن ابن عباس عن الصحابة رضي الله عنهم .

وممن أجاز الاشتراك في الأضاحي بين الأجنبيين البقرة عن سبعة ، والناقة عن سبعة : طاوس ، وأبو عثمان النهدي ، وعطاء ، وجمهور التابعين .

فأما ابن عمر فإننا روينا من طريق ابن أبي شيبة نا عبد الله بن نمير نا مجالد عن الشعبي قال : سألت ابن عمر عن البقرة والبعير تجزي عن سبعة ؟ فقال : كيف ، أولها سبعة أنفس ؟ قلت : إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين بالكوفة أفتوني فقالوا : نعم قاله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وعمر ، فقال ابن عمر : ما شعرت - فهذا توقف من ابن عمر .

ومن طريق وكيع عن عريف بن درهم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال : البقرة عن سبعة ، فهذا يدل على رجوعه - وهذا مما خالف فيه مالك كل رواية رويت فيه عن صاحب إلا رواية عن ابن عمر رجع عنها ، وخالف جمهور التابعين في ذلك .

قال أبو محمد : الحجة إنما هي في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمنع عليه السلام من الاشتراك في التطوع أكثر من عشرة ، وسبعة ، بل قد أشرك عليه السلام في أضحيته جميع أمته - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث