الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة أراد طلاق امرأة له قد وطئها لم يحل له أن يطلقها في حيضتها

جزء التالي صفحة
السابق

وأما الاختلاف في طلاق الثلاث مجموعة - أهو بدعة أم لا ؟ فزعم قوم أنها بدعة ، ثم اختلفوا .

فقالت طائفة منهم - لا يقع ألبتة ، لأن البدعة مردودة .

وقالت طائفة منهم : بل يرد إلى حكم الواحد المأمور بأن يكون حكم الطلاق كذلك .

قالت طائفة : بل تقع كما هو ، ويؤدب المطلق كذلك .

وقالت طائفة : ليست بدعة ، ولكنها سنة لا كراهة فيها .

واحتج من قال : إنها تبطل بقول الله تعالى : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } الآية .

وبقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن } إلى قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } .

وبقوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } .

قالوا : فلا يكون طلاقا إلا ما كان بهذه الصفة . [ ص: 385 - 386 ]

قالوا : ومعنى قول الله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } أي مرة بعد مرة كما تقول : سير به فرسخان .

وذكروا ما رويناه - من طريق أحمد بن شعيب نا سليمان بن داود نا ابن وهب نا مخرمة - هو ابن بكير بن الأشج - عن أبيه قال : سمعت محمود بن لبيد قال : { أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ألا أقتله } . [ ص: 387 ]

قال أحمد بن شعيب : لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة .

قال أبو محمد : أما قولهم : " البدعة مردودة " فصدقوا ، ولو كانت بدعة لوجب أن ترد وتبطل . [ ص: 388 ]

وأما الآيات - فإنما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط .

ثم تسألهم عمن طلق مرة ، ثم راجع ، ثم مرة ، ثم راجع ثانية ، ثم ثالثة ، أببدعة أتى ؟ فمن قولهم : لا ، بل بسنة ؟ فنسألهم : أتحكمون له بما في الآيات المذكورات ؟ فمن قولهم : لا ، بلا خلاف .

فصح أن المقصود - في الآيات المذكورات - من أراد أن يطلق طلاقا رجعيا ؟ فبطل احتجاجهم بها في حكم من طلق ثلاثا .

وأما قولهم معنى قوله : { الطلاق مرتان } أن معناه : مرة بعد مرة فخطأ ، بل هذه الآية كقوله تعالى : { نؤتها أجرها مرتين } أي مضاعفا معا .

[ ص: 389 ] وهذه الآية أيضا تعليم لما دون الثلاث من الطلاق ، وهو حجة لنا عليهم ، لأنهم لا يختلفون - يعني المخالفين لنا - في أن طلاق السنة هو أن يطلقها واحدة ، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها - في قول طائفة منهم .

وفي قول آخرين منهم : أن يطلقها في كل طهر طلقة - : وليس شيء من هذا في هذه الآية ، وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل : طلاق سنة ، فبطل تعلقهم بقوله تعالى : { الطلاق مرتان } .

وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل ، ولا حجة في مرسل - ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئا .

وأما قول من قال : إن الثلاث تجعل واحدة ، فإنهم احتجوا بما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق نا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر : طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ؟ فأمضاه عليهم . [ ص: 390 ]

وروينا من طريق الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج : أخبرني ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم تعلم أنها كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟ قال : نعم .

ومن طريق أحمد بن شعيب نا سليمان بن سيف الحراني نا أبو عاصم هو النبيل - عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة ؟ قال : نعم .

ورويناه أيضا من طريق مسلم عن إسحاق بن راهويه نا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس .

وبما رويناه من طريق أبي داود نا أحمد بن صالح نا عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس قال { : طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة - فذكر الحديث وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : راجع امرأتك أم ركانة وإخوته ؟ فقال : إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله ؟ قال : قد علمت أرجعها وتلا { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } } .

[ ص: 391 ] قال أبو محمد : ما نعلم لهم شيئا احتجوا به غير هذا ، وهذا لا يصح ، لأنه عن غير مسمى من بني أبي رافع ولا حجة في مجهول ، وما نعلم في بني أبي رافع من يحتج به إلا عبيد الله وحده وسائرهم مجهولون .

وأما حديث طاوس - عن ابن عباس الذي فيه أن الثلاث كانت واحدة وترد إلى الواحدة وتجعل واحدة فليس شيء منه أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي جعلها واحدة ، [ ص: 392 ] أو ردها إلى الواحدة ، ولا أنه عليه الصلاة والسلام علم بذلك فأقره ، ولا حجة إلا فيما صح أنه عليه الصلاة والسلام قاله أو فعله أو علمه فلم ينكره وإنما يلزم هذا الخبر من قال في قول أبي سعيد الخدري { : كنا نخرج في زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاعا من كذا } ، وأما نحن فلا - والحمد لله رب العالمين .

وأما من قال : إنها معصية وأنها تقع فإنهم موهوا بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الرصافي العجلي عن إبراهيم - هو ابن عبيد الله بن عبادة بن الصامت - عن داود عن عبادة بن الصامت قال : { طلق جدي امرأة له ألف تطليقة فانطلق أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أما اتقى الله جدك ، أما ثلاث فله ، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم ، إن شاء الله عذبه ، وإن شاء غفر له } .

ورواه بعض الناس عن صدقة بن أبي عمران عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال : { طلق بعض آبائي امرأته فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفا فهل له من مخرج ؟ فقال : إن أباكم لم يتق الله فيجعل مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة ، وتسعمائة وسبع وتسعون إثما في عنقه } .

وخبر روي من طريق محمد بن شاذان عن معلى بن منصور عن شعيب بن رزيق أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال : نا عبد الله بن عمر " أنه طلق امرأته وهي حائض ثم أراد أن يتبعها تطليقتين أخريين عند القرأين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { فقال : يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك قد أخطأت السنة } وذكر الخبر ، وفيه - فقلت { : يا رسول الله لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها ؟ قال : لا ، كانت تبين وتكون معصية } . [ ص: 393 ]

والخبر الذي ذكرناه آنفا من طريق إسماعيل بن أمية الذراع عن حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { من طلق في بدعة ألزمناه بدعته } .

وذكروا عمن دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ذكرناه آنفا من قول عمر في حديث طاوس : إن الناس قد استعجلوا أمرا كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم .

ومن طريق عبد الرزاق عن إسماعيل بن أبي عبد الله أخبرني عبيد الله بن العيزار أنه سمع أنس بن مالك يقول : كان عمر إذا ظفر بمن طلق ثلاثا أوجع رأسه .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : من طلق امرأته ثلاثا طلقت وعصى ربه .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال : كان ابن عباس إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثا ؟ قال : لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا .

قال أبو محمد : لا نعلم لهم شيئا يشغبون به إلا هذا ، وكله لا حجة لهم فيه - أما حديث عبادة بن الصامت ففي غاية السقوط ، لأنه إما من طريق يحيى بن العلاء - وليس بالقوي - عن عبيد الله بن الوليد الوصافي - وهو هالك - عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت - وهو مجهول لا يعرف . [ ص: 394 ]

ثم هو منكر جدا ، لأنه لم يوجد قط في شيء من الآثار : أن والد عبادة - رضي الله عنه - أدرك الإسلام ، فكيف جده ؟ وهو محال بلا شك .

ثم ألفاظه متناقضة في بعضها " أما ثلاث فلك " وهذا إباحة للثلاث ، وبعضها بخلاف ذلك .

وأما حديث ابن عمر - ففي غاية السقوط ، لأنه عن رزيق بن شعيب أو شعيب بن رزيق الشامي - وهو ضعيف - وقد ذكرنا ضعف إسماعيل بن أمية الذراع وجهالته فبطل ما شغبوا به .

ولم يبق بأيديهم شيء - والحمد لله رب العالمين .

وأما ما ذكروا عن الصحابة - رضي الله عنهم - فالرواية عن عمر " نرى الناس قد استعجلوا شيئا كانت لهم فيه أناة " فلا دليل فيه على أن طلاق الثلاث معصية أصلا وهو صحيح عن ابن عمر ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " .

قال أبو محمد : ولا أضعف من قول من يقر أنه ينفذ البدعة ويحكم بما لا يجوز بغير نص من الله تعالى ، ولا من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

قال أبو محمد : ثم وجدنا من حجة من قال : إن الطلاق الثلاث مجموعة سنة ولا بدعة قول الله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة ، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص - وكذلك قوله تعالى : { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } عموم [ ص: 395 ] لإباحة الثلاث والاثنين والواحدة ، وقوله تعالى : { وللمطلقات متاع بالمعروف } فلم يخص تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا .

ووجدنا ما رويناه من طريق مالك عن ابن شهاب : أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث اللعان عويمر العجلاني مع امرأته - وفي آخره : أنه قال { : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال : وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم } .

قال أبو محمد : لو كان طلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى لما سكت رسول [ ص: 396 ] الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيان ذلك - فصح يقينا أنها سنة مباحة .

وقال بعض أصحابنا : لا يخلو من أن يكون طلقها وهي امرأته ، أو طلقها وقد حرمت عليه ، ووجب التفريق بينهما ، فإن كان طلقها وهي امرأته فليس هذا قولكم ، لأن قولكم أنها بتمام اللعان تبين عنه إلى الأبد ، وإن كان طلقها أجنبية ، فإنما نحن فيمن طلق امرأته ، لا فيمن طلق أجنبية ؟ فقلنا : إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته - هذا ما لا يشك فيه أحد فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الاعتراض ، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإنكار على من طلق ثلاثا مجموعة امرأة يظنها امرأته ، ولا يشك أنها في عصمته فقط .

فإن قالوا : ليس كل مسكوت عن ذكره في الأخبار يكون ترك ذكره حجة ؟ .

فقلنا : نعم ، هو حجة لازمة إلا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة .

ومن طريق البخاري نا محمد بن بشار نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيد بن عمر نا القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين قالت : { إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق . فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتحل للأول ؟ قال : لا ، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول } فلم ينكر عليه الصلاة والسلام هذا السؤال ، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك .

وخبر فاطمة بنت قيس المشهور - : رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس أخبرته : أن زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن ، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا : إن ابن حفص طلق [ ص: 397 ] امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة ؟ فقال رسول الله { صلى الله عليه وآله وسلم : ليس لها نفقة وعليها العدة } وذكر باقي الخبر .

ومن طريق مسلم نا إسحاق بن منصور نا عبد الرحمن - هو ابن مهدي - عن سفيان الثوري عن أبي بكر بن أبي الجهم قال : سمعت فاطمة بنت قيس فذكرت حديث طلاقها قالت { وأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : كم طلقك ؟ قلت : ثلاثا ، فقال : صدق ، ليس لك نفقة } وذكرت باقي الخبر .

ومن طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا حفص بن غياث نا هشام بن عروة عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت : { قلت : يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا وأنا أخاف أن يقتحم علي ؟ قال : فأمرها فتحولت } .

ومن طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا قال : { ليس لها سكنى ولا نفقة } .

فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرها هي ونفر سواها بأن زوجها طلقها ثلاثا .

وبأنه عليه الصلاة والسلام حكم في المطلقة ثلاثا ولم ينكر عليه الصلاة والسلام ذلك ، ولا أخبر بأنه ليس بسنة - وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه .

فإن قيل : إن الزهري روى عن أبي سلمة هذا الخبر فقال فيه : إنها ذكرت أنه [ ص: 398 ] طلقها آخر ثلاث تطليقات - وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها - فذكر الخبر وفيه : فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته - وذكر باقي الخبر ؟ قلنا : نعم ، هكذا رواه الزهري ، فأما روايته من طريق عبيد الله فمنقطعة ، لم يذكر عبيد الله ذلك عنها ، ولا عن قبيصة عنها ، إنما قال : إن فاطمة طلقها زوجها ، وأن مروان بعث إليها قبيصة فحدثته .

وأما خبره عن أبي سلمة فمتصل - إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته هي ولا غيرها بذلك - إنما المسند الصحيح الذي فيه : أنه عليه الصلاة والسلام سأل عن كمية طلاقها وأنها أخبرته ، فهي التي قدمنا أولا وعلى ذلك الإجمال جاء حكمه عليه الصلاة والسلام .

وكذلك كل لفظ روي به خبر فاطمة من " أبت طلاقي " ، " وطلقها ألبتة " " وطلقها طلاقا باتا " " وطلاقا بائنا " فليس في شيء منه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف عليه أصلا .

فسقط كل ذلك ، وثبت حكمه عليه الصلاة والسلام على ما صح أنه أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط .

وأما الصحابة رضي الله عنهم فإن الثابت عن عمر الذي لا يثبت عنه غيره ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل نا زيد بن وهب [ ص: 399 ] أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر : أطلقت امرأتك ؟ فقال : إنما كنت ألعب ، فعلاه عمر بالدرة وقال : إنما يكفيك من ذلك ثلاث - فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث ، وأحسن عمر في ذلك ، وأعلمه أن الثلاث تكفي ولم ينكرها .

ومن طريق وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال : إني طلقت امرأتي ألفا ؟ فقال له علي : بانت منك بثلاث ، واقسم سائرهن بين نسائك - فلم ينكر جمع الثلاث .

ومن طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن معاوية بن أبي يحيى قال : جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال : طلقت امرأتي ألفا ؟ فقال : بانت منك بثلاث - فلم ينكر الثلاث .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال : قال رجل لابن عباس : طلقت امرأتي ألفا ؟ فقال له ابن عباس : ثلاث تحرمها عليك ، وبقيتها عليك وزرا ، اتخذت آيات الله هزوا - لم ينكر الثلاث وأنكر ما زاد .

والذي جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم " لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا " وهو على ظاهره : نعم ، إن اتقى الله جعل له مخرجا - وليس فيه أن طلاقه الثلاث معصية . [ ص: 400 ]

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال : جاء رجل عن ابن مسعود فقال : إني طلقت امرأتي تسعا وتسعين ؟ فقال له ابن مسعود : ثلاث تبينها وسائرهن عدوان .

وهذان خبران في غاية الصحة لم ينكر ابن مسعود ، وابن عباس الثلاث مجموعة أصلا ، وإنما أنكر الزيادة على الثلاث .

ومن طريق أحمد بن شعيب أنا عمرو بن علي نا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع - وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث .

فإن قيل : قد روى الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود وفيه فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ؟ قلنا : نعم ، هذا أيضا سنة - وليس فيه أن ما عدا ذلك حرام وبدعة .

فإن قيل : قد رويتم من طريق حماد بن زيد نا يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال : قال علي بن أبي طالب : لو أن الناس أخذوا بأمر الله تعالى في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا يبدأ فيطلقها تطليقة ، ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها ، فمتى ما شاء راجعها ؟ قلنا هذا منقطع عنه ، لأن ابن سيرين لم يسمع من علي كلمة ، ثم ليس فيه أيضا : أن ما عدا ذلك معصية ولا بدعة - لا يعلم عن الصحابة رضي الله عنهم غير ما ذكرنا . [ ص: 401 ]

وأما التابعون - فروينا من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : قال رجل لشريح القاضي : طلقت امرأتي مائة ؟ فقال : بانت منك بثلاث ؟ وسبع وتسعون إسراف ومعصية - فلم ينكر شريح الثلاث ، وإنما جعل الإسراف والمعصية ما زاد على الثلاث .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال : طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع .

قال أبو محمد : فلم يخص واحدة من ثلاث ، من اثنتين - لا يعلم عن أحد من التابعين - أن الثلاث معصية - صرح بذلك إلا الحسن .

والقول بأن الثلاث سنة : قول الشافعي ، وأبي ذر ، وأصحابهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث