الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فروع الأول ) قال في النوادر : قال سحنون : ومن لم يمر عليها الماء أعاد ولم تجزه صلاته انتهى . ( الثاني ) إذا كان على الشعر حائل يمنع من وصول الماء وجب إزالته فإن لم يزله ثم قص الشعر الذي كان عليه الحائل هل يكفي ذلك أم لا ؟ يأتي الكلام عليه في مسح الرأس .

( الثالث ) قال الجزولي والشيخ يوسف بن عمر في شرح الرسالة : قال ابن العربي : يجب غسل جزء من الرأس ليستكمل غسل الوجه ، كما يجب مسح بعض الوجه إذا مسح رأسه ليستكمل مسح رأسه وهما من باب ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب انتهى بالمعنى . وذكره الشيخ زروق في شرح الرسالة كأنه المذهب ولم يعزه لابن العربي وقال ابن ناجي في شرح قوله في المدونة ويحرك اللحية في الوضوء ويمر يده عليها من غير تخليل : اختلف المتأخرون هل يغسل شيئا من رأسه ليتحقق تعميم الوجه أم لا ؟ قال شيخنا : ولا يحتاج أن يأخذ شيئا من الوجه في مسح الرأس اتفاقا إذا أخذ شيئا من رأسه في غسل الوجه .

وأجبته بأنه يختلف فيه أيضا ; لأنه لا يحصل الوجه إلا بعد مسح بعض الرأس . وأجاب بأنه لا يضر لقول المدونة في مسح الجبيرة : إذا برئت ونسي غسلها انتهى . ويعني بشيخه البرزلي وقال في شرح الرسالة : ظاهر كلام الشيخ أنه لا يأخذ شيئا من شعر الرأس وهو كذلك ; لأنه أراد منابت شعر الرأس المعتاد وهو أحد نقلي شيوخنا وهما جاريان على اختلاف الأصوليين فيما لا يتم الواجب إلا به ، فهل هو واجب أم لا ؟ وكذا اختلف هل يجب إمساك جزء من الليل بالنسبة إلى الصوم ؟ وقال ابن فرحون وأصله لابن هارون في شرح قول ابن الحاجب في مسح الرأس " ومبدؤه من مبدأ الوجه " : هذا يقتضي أنه لا يجب غسل جزء من الرأس لاستيعاب الوجه كما لا يجب مسح جزء من الوجه لاستيعاب الرأس ، فأوجبه بعضهم في غسل الوجه دون مسح الرأس ، وهو بعيد والله تعالى أعلم .

( قلت ) والظاهر الوجوب ( الرابع ) قال في الرسالة في صفة غسل الوجه غاسلا له من أعلى جبهته : قال شارحها الشيخ يوسف بن عمر : قال أبو إسحاق بن شعبان : السنة في غسل الأعضاء أن يبدأ من أولها ، فإن بدأ من أسفلها أجزأه ، وبئس ما صنع فإن كان عالما ليم ، وإن كان جاهلا علم ، وعد صاحب الطراز في فضائل الوضوء ترتيب أعلى العضو على أسفله وسيأتي في غسل اليد نحوه عن الذخيرة ، وعد في اللمع في فضائل الوضوء أن يبدأ في كل عضو من أوله ونحوه في التلقين في الكلام على الترتيب . ( الخامس ) قال الشيخ زروق وفي شرح الرسالة للعامة في الوضوء أمور منها صب الماء من دون الجبهة وهو مبطل ، ونفض اليد قبل إيصال الماء إليه وهو كذلك في الحديث { إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح للشيطان } قال الدميري : لكنه ضعيف ولطم الوجه بالماء وهو جهل لا يضر . والتكبير عند ذلك وأنكره في مراقي الزلف ، والتشهد وأنكره النووي وقال : لم يقل به إلا بعض أصحابنا ، ورد عليه قال : والأذكار المترتبة على الأعضاء لا أصل لها وأنكر ابن العربي أن يكون في الوضوء ذكر غير التسمية أوله والتشهد آخره ، نعم ورد في الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام { قال على وضوئه : اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي فسألته عن ذلك فقال : وهل ترك من خير ؟ } فترجم النسائي لذلك فقال : باب [ ص: 188 ] ما يقول بعد الوضوء وابن السيني باب ما يقول بين ظهراني وضوئه وذكرهما النووي في حلية الأبرار انتهى . وفي بعض نسخ الشرح المذكور : ولا ينفض يديه قبل وصولهما إلى وجهه فلا يصح وضوءه باتفاق ولا يرشه رشا ولا يلطمه لطما ولا يكب وجهه في يديه ; لأن ذلك جهل ، بل يفرغه تفريغا حال كونه غاسلا له بيديه بمعنى أنه يدلكه بهما مع الماء أو أثره متصلا به دلكا وسطا إذ لا يلزمه إزالة الوسخ الخفي بل ما ظهر وحال بين الماء والعضو وسيأتي الكلام على ذلك .

ص ( فيغسل الوترة وأسارير جبهته وظاهر شفتيه ) .

ش : الوترة بفتح الواو والتاء المثناة الفوقية وهي الحاجز بين ثقبي الأنف . والأسارير جمع أسرة وهي خطوط الجبهة والكف ، الواحد سرر بوزن عنب وقال في الصحاح جمع أسرار كأعناب فالأسارير جمع الجمع ، وفي الحديث : تبرق أسارير جبهته وفي المفرد لغة أخرى وهي سرار وجمعه أسرة كزمام وأزمة قاله الفاكهاني ، وقال الجزولي : هي التكاسير أو العطوف أو الطيات ألفاظ مترادفة وهذه المواضع داخلة في تحديد الوجه وإنما نبه عليها لآن الماء ينبو عنها ، قال الجزولي فيلزم المتوضئ أن يتحفظ عليها فإن ترك شيئا منها كان كمن لم يتوضأ ويدخل في قوله صلى الله عليه وسلم { ويل للأعقاب من النار } فنبه على الوترة ; لأن الماء ينحدر من أعلى الأنف فلا يصيبها ، ونحوه قول الرسالة : وما تحت مارنه من ظاهر أنفه والمارن طرف الأنف قاله في الذخيرة وقال الفاكهاني : ما لان من الأنف ، ونبه على الأسارير لاحتياجها أيضا إلى إمرار اليد لنبو الماء عما أصابتها : ونبه على ظاهر الشفتين لئلا يتوهم أنهما من الباطن الذي لا يجب غسله كداخل الفم وداخل الأنف ، قال اللخمي : وغسل ما بين المنخرين وظاهر الشفتين فرض انتهى . فيتعين على المتوضئ أن لا يضم شفتيه فمن ضم شفتيه حين غسل الوجه فقد ترك لمعة من وجهه ، قال الجزولي : ولا يطبق شفتيه خيفة أن تبقى هناك لمعة وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على ما غار من الأجفان ; لأنها من المواضع التي يتحفظ عليها كما قال في الرسالة وغيرها ، وسيأتي عند قول المصنف : لا جرحا برأ .

ص ( بتخليل شعر تظهر البشرة تحته )

ش : لما ذكر أنه يجب غسل ظاهر اللحية خشي أن يتوهم أنه لا يجب تخليلها مطلقا فنبه على ذلك بقوله بتخليل شعر إلخ والباء بمعنى مع أي يجب غسل ما بين الأذنين ومنابت شعر الرأس المعتاد والذقن وغسل ظاهر اللحية مع تخليل الشعر الذي تظهر البشرة تحته والبشرة الجلد والمراد ظهورها عند التخاطب قاله ابن بشير وهو ظاهر ، والمراد بالتخليل إيصال الماء إلى البشرة قاله في التوضيح وفهم منه أنه لا يجب تخليل الكثيف وهو ما لا تظهر البشرة تحته وهو كذلك ، وذكر الشعر ليعم شعر اللحية وغيرها كالشارب والعنفقة والحاجب والهدب .

قال في التلقين : فإن كان على الوجه شعر لزم إمرار اليد عليه ثم ينظر فما كان كثيفا قد ستر البشرة سترا لا تتبين معه انتقل الفرض إليه وسقط فرض إيصال الماء إلى البشرة وإن كان خفيفا تتبين معه البشرة لزم إمرار الماء عليه وعلى البشرة ، وسواء في ذلك أن يكون على خد أو شفة أو حاجب أو عذار أو عنفقة ويلزم فيما انسدل عن البشرة كلزومه فيما تحت البشرة انتهى . والهدب بضم الهاء وسكون الدال المهملة وقد تضم الشعر النابت على أجفان العين واحده هدبة وكذلك هدبة الثوب قال ابن قتيبة في آداب الكتابة في باب ما يضعه الناس في غير موضعه : من ذلك أشفار العين يذهب الناس إلى أنها الشعر النابت على حرف العين وذلك غلط إنما الأشفار حرف العين الذي ينبت عليها الشعر ، والشعر هو الهدب وإن كان أحد من الفصحاء سمى الشعر شفرا فإنما سماه بمنبته انتهى .

وقال ابن الحاجب ويجب تخليل خفيف [ ص: 189 ] الشعر دون كثيفه في اللحية وغيرها حتى الهدب ، وقيل : وكثيفه . قال في التوضيح : الخفيف ما تظهر البشرة من تحته والكثيف ما لا تظهر قاله في التلقين ، وقوله : يجب تخليل خفيف الشعر أي بأن يوصل الماء إلى البشرة ، وقوله : دون كثيفه أي فلا يجب انتهى . فعلم أن المراد من التخليل إيصال الماء إلى البشرة ولهذا قال سند : المذهب استواء كثيف اللحية وخفيفها في عدم وجوب التخليل وقول القاضي عبد الوهاب في الخفيف : " يجب إيصال الماء إلى ما تحته " لا يناقص ذلك ; لأنه إذا مر بيديه على عارضيه وحركهما وصل الماء إلى كل محل مكشوف من الشعر ، فإن لم يصل الماء لقلته فلا يجزئه . ثم قال : وإذا قلنا : لا يجب تخليل اللحية فلا بد من إمرار الماء عليها من اليد ويحرك يده عليها انتهى .

( قلت ) وهذا ليس خلافا في المعنى وقد تقدم أن المراد من التخليل إيصال الماء إلى البشرة . قال ابن عبد السلام وذكر الهدب لما رآه للشافعية فيه وفي الحاجبين من سقوط التخليل ; لأن الغالب في شعرهما الخفة ، وما ذكروه في الهدب متجه أي أن الغالب فيه الخفة ، وسيأتي الكلام على ما لصق من القذى في قوله : ونفض غيره ، وما ذكره المصنف من سقوط تخليل الشعر الكثيف هو المشهور ودليله أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وكانت لحيته كثيفة ، ولا يصل إلى بشرتها بمرة واحدة ، وأيضا فإن الوجه اسم لما تقع به المواجهة وقد خرج ما تحت الشعر عن المواجهة وانتقلت المواجهة إلى ما ظهر من الشعر قال في التوضيح : وقد اختلف في تخليل اللحية الكثيفة على ثلاثة أقوال : أحدها لمالك في العتبية نفى التخليل وعاب تخليلها فيحتمل ذلك الإباحة والكراهة ا هـ .

( قلت ) جزم ابن عرفة بالثاني فإنه عزا الكراهة لسماع ابن القاسم والمدونة ونحوه لابن رشد قال في سماع ابن القاسم في رسم نذر سنة في تخليلها في الوضوء أقوال ثلاثة : أحدها : قوله في هذه الرواية وعن المدونة : إنها لا تخلل وهو قول ربيعة : إن تخليلها مكروه وكذا قال ابن ناجي : إن ظاهر المدونة الكراهة ، ونقله أيضا عن الشيخ أبي الحسن الصغير وهو الذي يفهم من قوله : عاب ذلك ، وهو قوله في المجموعة قال في النوادر عنها : وعاب مالك تخليلها في الوضوء . قال عنه ابن نافع في المجموعة ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله في وضوئه ، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة قال في المختصر : ويحركها في الوضوء بأن كانت كبيرة ولا يخللها . قاله في التوضيح . والقول الثاني : الوجوب ، قاله محمد بن عبد الحكم قال في البيان : وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع وهو القول الذي حكاه المصنف . يعني ابن الحاجب بقوله : وقيل وكثيفه ، وقال ابن عبد السلام : وهو الأظهر عندي بلا قياس على المشهور في الغسل .

والقول الثالث : الاستحباب لابن حبيب قال ابن رشد في الرسم المذكور : وهو أظهر الأقوال فقد روي { أن عمار بن ياسر خلل لحيته فقيل له أتخلل لحيتك ؟ فقال : وما يمنعني ؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته } .

( قلت ) حديث عمار رواه الترمذي وابن ماجه وهو معلول وقد ورد من طرق كثيرة ، ولكن قال ابن حجر قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : ليس في تخليل اللحية شيء صحيح وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في تخليل اللحية شيء انتهى .

( قلت ) وقول مالك المتقدم يشهد لما قاله الإمام أحمد وأبو حاتم ونقل ابن ناجي عن أبي الحسن الصغير أن ظاهر قول الرسالة وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك أنه يستحب . قال ابن ناجي والأقرب أنه أراد دلالة ذلك وكثيرا ما يتسامح هو وغيره في مثل هذا ولا سيما ابن الجلاب ، وإنما قلنا ذلك لأن الاستحباب لم يقل به مالك فيما علمت وإنما هو لابن حبيب ، وله نحوه في شرح الرسالة قال : وقول الشيخ في قول مالك إشارة منه إلى عدم ارتضائه [ ص: 190 ] بذلك لقول ابن الحاجب قالوا : والمذهب والله أعلم ، وقيل : إن تخليلها سنة ذكره ابن ناجي في شرح المدونة عن الزناتي شارح المدونة وقال : لا أعرفه . ويظهر من كلامهم ترجيح القول بالكراهة ، وكلام المصنف لا يأباه فيحمل عليه والله أعلم . والخلاف في تخليل اللحية في الغسل يأتي في فصله إن شاء الله تعالى ، وهذا كله في اللحية الكثيفة ، فأما الخفيفة فيجب إيصال الماء لما تحتها قولا واحدا ، وقاله ابن ناجي في شرح المدونة .

( تنبيهات الأول ) إذا قلنا بوجوب تخليل الكثيفة فهل ذلك حتى يصل الماء إلى داخل الشعر فقط أو لا بد من وصول الماء إلى البشرة ؟ قال ابن ناجي في شرح المدونة : في ذلك قولان حكاهما المازري .

( قلت ) حكاهما ابن عرفة في باب الغسل عن المازري ، وذكر عن رواية ابن وهب عن مالك أنه قال : تخليلها واجب لإيصال الماء إلى البشرة انتهى . وهو الذي يظهر من كلامهم .

( الثاني ) قال ابن ناجي أيضا وهل يضرب أصابعه فيها من أعلاها أو من أسفلها ؟ قولان لابن أبي زيد وابن شبلون .

( الثالث ) قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب : يجب على المرأة تخليل لحيتها وإن كانت كثيفة لندورها ، ونقله عن أبي يعقوب في نزهة الطالب .

( قلت ) ولم أره لغيره ، وحكاه سند عن الشافعية .

( الرابع ) فإن قيل ما الفرق بين المشهور هنا وبين المشهور في الغسل فإنه يجب فيه تخليل الكثيف ؟ فجوابه أن المطلوب في الغسل المبالغة لقوله تعالى { فاطهروا } ولقوله صلى الله عليه وسلم { تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة } رواه الترمذي والنسائي وأبو داود ولكن ضعفه أبو داود بخلاف الوضوء فإنه إنما أمر فيه بغسل الوجه ، والوجه مأخوذ من المواجهة قاله في التوضيح .

ص ( لا جرحا برأ أو خلق غائرا )

ش : يقال : برأ الجرح يبرأ ويبرؤ بفتح الراء في الماضي ، وبفتحها وضمها في المضارع ، والضم لغة أهل الحجاز ، ويقال أيضا : بريء يبرأ بكسرها في الماضي ، وفتحها في المضارع ، وبرؤ يبرؤ بضمها فيهما ، وأما إبدال همزته ألفا بعد الفتحة وواوا بعد الضمة وياء بعد الكسرة فشاذ ; لأن إبدال الهمزة المتحركة شاذ والمعنى أنه لا يجب غسل الجرح إذا برأ غائرا وكذلك لا يجب على المكلف غسل ما خلق من وجهه غائرا من أجفانه أو غيرها ، فقوله : غائرا حال من نائب فاعل خلق ويقدر مثله لفاعل برأ فهو من باب التنازع في الحال .

( تنبيه ) وهذا إذا كان استغوار ذلك كثيرا لا يمكن إيصال الماء إليه ، وأصل المسألة في النوادر مقيدة بذلك . قال فيها ناقلا عن بعض أصحابنا : وليحافظ على غسل ما تحت مارنه بيده وما غار من أجفانه وأسارير جبهته ، وليس عليه غسل ما غار من جرح برأ على استغوار كثير أو كان خلقا خلق به ، ولا غسل ما تحت ذقنه انتهى . قال الباجي في المنتقى : معنى ذلك أن كل ما كان ظاهرا فإنه يجب إيصال الماء إليه وما لم يظهر وشق إيصال الماء إليه فلا يجب غسله كجرح برأ على استغوار كثير ، وما كان خلقا خلق به فإنه يشق إيصال الماء إليه باليد ، ولو كان أثر الجرح ظاهرا لوجب إيصال الماء إليه وغسله كموضع القطع من الكوع وأصابع القدم انتهى .

وقال سند بعد أن ذكر كلام النوادر : هذا يرجع إلى حرف وهو أن يغسل كل ما أمكنه غسله من وجهه ، فغور العين مما يمكنه غسله وهو مما يواجه به ، وكذلك غور الجرح إلا أن يكون غورا داخلا أو طالعا بحيث لا يتوصل إلى جميعه أو لا يواجه بجميعه ، أو يكون ضيقا فيغسل ما يمكنه من ذلك انتهى . وقوله : أو طالعا كذا رأيته في ثلاث نسخ من الطراز ولعله يعني أن جوانب الغور طالعة ونقل ابن يونس كلام النوادر وقبله وكذلك المصنف في التوضيح في الكلام على المضمضة وغيره وقبلوه بل لم يذكروا خلافه ، وكذلك ابن عرفة ونصه : ويجب غسل ما تحت مارنه وظاهر شفتيه وأسارير [ ص: 191 ] جبهته وغائر ما تحت مارنه وغائر أجفانه لا ما غار جدا من جرح أو خلقة انتهى . وقال ابن فرحون بعد أن ذكر ما تقدم : ووصف الاستغوار بكونه كثيرا هو الصواب . وذكر بعضهم الاستغوار ولم يقيده بالكثرة وليس بصواب ; لأن موجب سقوط غسله حصول المشقة وذلك لا يحصل إلا في الاستغوار الكثير . قال الشيخ زروق : وذكر بعضهم أن ذلك محدود برؤية قعره عند المواجهة وعدمها .

( قلت ) ولم أقف على ما أطلقه وإنما أطلت في هذا ; لأن بعض الناس يميل إلى حمل كلام المصنف على إطلاقه ، وليس ذلك بصواب .

( تنبيه ) يفهم من كلام الباجي أنه إذا أمكنه إيصال الماء إليه من غير دلك وجب ذلك وهو كذلك قال أبو الحسن الصغير : لو انتقبت كفه بسهم ونفذت واندملت نافذة لزمه غسل داخلها إن أمكنه وإلا أوصل الماء إليها ، ولو اتصل طرفاها واندملت لم يكن عليه نقبها انتهى . ( فرع ) قال سند : لا خلاف بين أرباب المذاهب أنه لا يشرع غسل داخل العينين ، ويؤثر عن ابن عمر أنه كان يفعله حتى عمي .

( قلت ) واستحبه بعض الشافعية لفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . قال الدميري : وسائر الأصحاب على خلافه . قال : وفعل ابن عمر رواه البيهقي والله تعالى أعلم . وعن هذا احترز الشيخ في الرسالة . ويمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه كما قاله الجزولي وقال : قال مالك : لا يلزمه ذلك ; لأنه يؤذي والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث