الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر

ولما جاء موسى لميقاتنا أي: لوقتنا الذي وقتناه أي: لتمام الأربعين، واللام للاختصاص كما في قوله سبحانه: لدلوك الشمس وهي بمعنى عند، عند بعض النحويين، وكلمه ربه من غير واسطة بحرف وصوت، ومع هذا لا يشبه كلام المخلوقين ولا محذور في ذلك كما أوضحناه في الفائدة الرابعة، وإلى ما ذكره ذهب السلف الصالح.

وقد أخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لما كلم الله تعالى موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى: يا رب، أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: يا موسى، أنا كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن، فقال: لا تستطيعونه؛ ألم تروا إلى صوت الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه فذاك قريب منه وليس به».

وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال: «إنما كلم الله تعالى موسى بقدر ما يطيق من كلامه، ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء».

وأخرج جماعة عن كعب قال: «لما كلم الله تعالى موسى كلمه بالألسنة كلها. فجعل يقول: يا رب، لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته» الخبر.

وأخرجوا عن ابن كعب القرظي أنه قال: قيل لموسى عليه السلام: ما شبهت كلام ربك مما خلق فقال عليه السلام: بالرعد الساكن.

وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعا: لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة، فأول ما كلمه بالبربرية.

ونقل عن الأشعري أن موسى [ ص: 45 ] عليه السلام إنما سمع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى ولم يكن ما سمعه مختصا بجهة من الجهات، وحمله إلى سماع بالفعل مشكل مع الأخبار الدالة على خلافه، والظاهر أن ذلك إن صح نقله فهو قول رجع عنه إلى مذهب السلف الذي أبان عن اعتقاده له في الإبانة. قال رب أرني أي: ذاتك أو نفسك. فالمفعول الثاني محذوف؛ لأنه معلوم، ولم يصرح به تأدبا. أنظر إليك مجزوم في جواب الدعاء، واستشكل بأن الرؤية مسببة عن النظر متأخرة عنه، كما يريك ذلك النظر إلى قولهم: نظرت إليه فرأيته، ووجهه أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته، والرؤية الإدراك بالباصرة بعد التقليب وحينئذ كيف يجعل النظر جوابا لطلب الرؤية مسببا عنه وهو عكس القضية.

وأجيب بأن المراد بالإراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقا أو بالتجلي والظهور وهو مقدم على النظر وسبب له، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم. أي: مكني من رؤيتك أو تجل لي فأنظر إليك وأراك.

قال استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال رب العزة حين قال موسى عليه السلام ذلك، فقيل: قال: لن تراني أي: لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنت عليه، وهو نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه. ولكن انظر إلى الجبل استدراك لبيان أنه عليه السلام لا يطيق الرؤية، والمراد من الجبل طور سيناء، كما ورد في غير ما خبر، وفي تفسير الخازن وغيره أن اسمه زبير بزاي مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء مهملة بوزن أمير. فإن استقر مكانه ولم يفتته التجلي فسوف تراني إذا تجليت لك. فلما تجلى ربه للجبل أي: ظهر له على الوجه اللائق بجنابه تعالى بعد جعله مدركا لذلك. جعله دكا أي: مدكوكا متفتتا، والدك والدق أخوان كالشك والشق. وقال شيخنا الكوراني: إن الجبل مندرج في الأشياء التي تسبح بحمد الله بنص: وإن من شيء إلا يسبح بحمده المحمول على ظاهره عند التحقيق المستلزم لكونه حيا مدركا حياة وإدراكا لائقين بعالمه ونشأته، وقيل: هذا مثل لظهور اقتداره سبحانه وتعلق إرادته بما فعل بالجبل لا أن ثم تجليا، وهو نظير ما قرر في قوله تعالى: أن يقول له كن فيكون من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونه يدخل تحت الوجود من غير توقف لا أن ثمة قولا. وتعقبه صاحب الفرائد بأن هذا المعنى غير مفهوم من الآية؛ لأن تجلى مطاوع جليته أي أظهرته يقال: جليته فتجلى؛ أي: أظهرته فظهر.

ولا يقدر تجلي اقتداره؛ لأنه خلاف الأصل، على أن هذا الحمل بعيد عن المقصود بمراحل.

وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، والحاكم وصححاه، والبيهقي، وغيرهم من طرق عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ هذه الآية: فلما تجلى ربه إلخ. قال: «هكذا وأشار بإصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر - وفي لفظ: - على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل».

وعن ابن عباس أنه قال: ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر فجعله ترابا، وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق التسليم، وهو أسلم وأحكم أو التأويل بما يليق بجلال ذاته تعالى. وقرأ حمزة والكسائي (دكاء) بالمد؛ أي: أرضا مستوية، ومنه قولهم: ناقة دكاء للتي لم يرتفع سنامها. وقرأ يحيى بن وثاب: (دكا) بضم الدال والتنوين، جمع دكاء، كحمر وحمراء، أي: قطعا دكا فهو صفة جمع، وفي شرح التسهيل لأبي حيان أنه أجري مجرى الأسماء فأجري على المذكر.

وخر موسى أي: سقط من [ ص: 46 ] هول ما رأى، وفرق بعضهم بين السقوط والخرور؛ بأن الأول مطلق، والثاني سقوط له صوت كالخرير. صعقا أي: صاعقا وصائحا من الصعقة، والمراد أنه سقط مغشيا عليه عند ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم، وميتا عند قتادة.

روي أنه بقي كذلك مقدار جمعة، وعن ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغشية عشية يوم الخميس يوم عرفة إلى عشية يوم الجمعة، ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ فيلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية رب العزة. وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه؛ فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغض في الخطاب. فلما أفاق بأن عاد إلى ما كان عليه قبل، وذلك بعود الروح إليه على ما قال قتادة، أو بعود الفهم والحس على ما قال غيره، والمشهور أن الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب من الأسباب، ولا يقال للميت إذا عادت إليه روحه أفاق، وإنما يقال ذلك للمغشي عليه؛ ولهذا اختار الأكثرون ما قاله الحبر. قال تعظيما لأمر الله سبحانه: سبحانك أي: تنزيها لك من مشابهة خلقك في شيء، أو من أن يثبت أحد لرؤيتك على ما كان عليه قبلها، أو من أن أسألك شيئا بغير إذن منك. تبت إليك من الإقدام على السؤال بغير إذن، وقيل: من رؤية وجودي والميل مع إرادتي. وأنا أول المؤمنين بعظمتك وجلالك أو بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة فيثبت على ما قيل، وأراد كما قال الكوراني: أنه أول المؤمنين بذلك عن ذوق مسبوق بعين اليقين في نظره. وقيل: أراد أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك.

واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في الجملة، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك، وقامت الحرب بينهما على ساق، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا: إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين: الأول أن موسى عليه السلام سألها بقوله: رب أرني إلخ، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عليه السلام عالما بالاستحالة فالعاقل فضلا عن النبي مطلقا فضلا عمن هو من أولي العزم لا يسأل المحال ولا يطلبه، وإن لم يكن عالما لزم أن يكون آحاد المعتزلة ومن حصل طرفا من علومهم أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبي الصفي، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة، وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز، والثاني أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه، وما علق على الممكن ممكن، واعترض الخصوم الوجه الأول بوجوه: الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه بالرؤية مجازا لما بينهما من التلازم. والتعبير بأحد المتلازمين عن الآخر شائع في كلامهم، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل بن العلاف، وتابعه عليه الجبائي وأكثر البصريين، الثاني: أنا سلمنا أنه لم يسأل العلم بل سأل الرؤية حقيقة لكنا نقول: إنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فمعنى: أرني أنظر إليك أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة، وإلى هذا ذهب الكعبي والبغداديون، الثالث: أنا سلمنا أنه سأل رؤية الله تعالى نفسه حقيقة ولكن لم يكن ذلك لنفسه عليه السلام بل لدفع قومه القائلين: أرنا الله جهرة وإنما أضاف [ ص: 47 ] الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيها بالأعلى على الأدنى، وإلى هذا ذهب الجاحظ ومتبعوه، الرابع: أنا سلمنا أنه سأل لنفسه لكن لا نسلم أن ذلك ينافي العلم بالإحالة؛ إذ المقصود من سؤالها إنما هو: أن يعلم الإحالة بطريق سمعي مضاف إلى ما عنده من الدليل العقلي لقصد التأكيد، وذلك جائز كما يدل عليه طلب إبراهيم عليه السلام إراءة كيفية إحياء الموتى، وقوله: ولكن ليطمئن قلبي وإلى ذلك ذهب أبو بكر الأصم، الخامس: أنا سلمنا أن سؤال الرؤية ينافي العلم بالإحالة لكنا نلتزم القول بعدم العلم وهو غير قادح في نبوته عليه السلام؛ فإن النبوة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة أو جميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، بل على ما يتوقف عليه الغرض من البعثة والدعوة إلى الله تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بالأوامر والنواهي تحريضا لهم على النعيم المقيم، وليس امتناع الرؤية من هذا القبيل، ويؤيد ذلك أنه سأل وقوع الرؤية في الدنيا وهي غير واقعة عندنا وعندكم، ونسب هذا القول إلى الحسن منا وهو غريب منه.

السادس: أنا سلمنا العلم بالإحالة لكن لا نسلم امتناع السؤال، وإنما يمتنع أن لو كان محرما في شرعه، لم لا يجوز أن لا يكون محرما؟

السابع: أنا سلمنا الحرمة لكن لا نسلم أن ذلك كبيرة، لم لا يجوز أن يكون صغيرة وهي غير ممتنعة على الأنبياء عليهم السلام؟

وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين: الأول: أنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن؛ لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط؛ لأن الجبل حال سكونه كان مستقرا بل على استقراره حال حركته، وهو محال لذاته، والثالث: أنا وإن سلمنا أن استقرار الجبل ممكن لكن لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن، فإنه يصح أن يقال: إن انعدم المعلول انعدمت العلة، والعلة قد تكون ممتنعة العدم مع إمكان المعلول في نفسه كالصفات بالنسبة إلى الذات عند المتكلمين، والعقل الأول بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء، فيجوز أن تكون الرؤية الممتنعة متعلقة بالاستقرار الممكن، والسر في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلق والمعلق عليه إنما هو: بحسب الوقوع؛ بمعنى أنه إن وقع عدم المعلول وقع عدم العلة، والممكن الذاتي قد يكون ممتنع الوقوع الذاتي فيجوز التعليق بينهما، وليس الارتباط بينهما بحسب الإمكان حتى يلزم إمكان المعلق عليه إمكان المعلق، ثم إنا وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه من الوجهين على جواز الرؤية فهو معارض بما يدل على عدم الجواز، فإن (لن) في الآية لتأبيد النفي وتأكيده، وأيضا قول موسى عليه السلام: تبت إليك دليل كونه مخطئا في سؤاله، ولو كانت الرؤية جائزة لما كان مخطئا، والزمخشري عامله الله تعالى بعدله زعم أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية، وذكر في كشافه ما ذكر وقال: ثم أعجب من المتسمين بالإسلام المسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:


وجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمري موكفه

قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة

وأجيب عن قولهم: إنه عليه السلام إنما سأل العلم الضروري بأنه لو كانت الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضا بمعناه وليس كذلك، فإن النظر الموصول بإلى نص في الرؤية لا يحتمل سواه فلا يترك للاحتمال، وفي شرح المواقف أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول، وأورد عليه [ ص: 48 ] أن المراد هو العلم بهويته الخاصة، والخطاب لا يقتضي إلا العلم بوجه كمن يخاطبنا من وراء الجدار، والمراد بالعلم بالهوية الخاصة انكشاف هويته تعالى على وجه جزئي بحيث لا يمكن عند العقل صدقه على كثيرين كما في المرئي بحاسة البصر، ولا شك في كونه ممكنا في حقه تعالى؛ لأنه قادر على أن يخلق في العبد علما ضروريا بهويته الخاصة على الوجه الجزئي بدون استعمال الباصرة كما يخلق بعده، وفي عدم لزومه الخطاب فإنه إنما يقتضي العلم بالمخاطب بأمور كلية يمكن صدقها على كثيرين عند العقل وإن كانت في الخارج منحصرة في شخص واحد فهو من قبيل التعقل، وبهذا التحرير يعلم رصانة الإيراد ودفع ما أورد عليه، ويظهر منه ركاكة ما قاله الآمدي. من أن حمل الرؤية على العلم يلزم منه أن يكون موسى عليه السلام غير عالم بربه لئلا يلزم تحصيل الحاصل، ونسبة ذلك إلى الكليم من أعظم الجهالات؛ لأنا نقول: العلم بالهوية الخاصة على ما ذكرنا ليس من ضروريات النبوة ولا المكالمة كما لا يخفى، نعم يأبى هذا الحمل التعدية كما علمت ويبعده الجواب ب لن تراني ولكن انظر إلخ. كما هو ظاهر، وإن تكلف له الزمخشري بما تمجه الأسماع.

وقيل: إنه لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في: أرنا الله جهرة لتساوي الدلالة وهو ممتنع بالإجماع، وجهرة لا يزيد على كون النظر موصولا ب إلى. وأجيب عن قولهم: إنما سأله أن يريه علما من أعلام الساعة بأنه لا يستقيم لثلاثة أوجه:

أحدها: أنه خلاف الظاهر من غير دليل.

ثانيها: أنه أجيب بلن تراني، وهو إن كان محمولا على نفي ما وقع السؤال عنه من رؤية بعض الآيات فهو خلف؛ فإنه قد أراه سبحانه أعظم الآيات وهو تدكدك الجبل، وإن كان محمولا على نفي الرؤية لزم أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال.

ثالثها: أن قوله سبحانه: فإن استقر مكانه فسوف تراني إن كان محمولا على رؤية الآية فهو محال؛ لأن الآية ليس في استقرار الجبل بل في تدكدكه، وإن كان محمولا على الرؤية لا يكون مرتبطا بالسؤال، فإذن لا ينبغي حمل ما في الآية على رؤية الآية، وعن قولهم: إن الرؤية وقعت لدفع قومه بأن ذلك خلاف الظاهر من غير دليل، وكون الدليل أخذ الصعقة ليس بشيء. وأيضا كان يجب عليه -عليه السلام- أن يبادر إلى ردعهم وزجرهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى كما قال: إنكم قوم تجهلون عند قولهم: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وقولهم: إن المقصود ضم الدليل السمعي إلى العقلي ليس بشيء؛ إذ ذلك كان يمكن بطلب إظهار الدليل السمعي له من غير أن يطلب الرؤية مع إحالتها، وقصته تقدم الكلام فيها، وما ذكروه في الوجه الخامس ظاهر رده من تقرير الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما أهل السنة، وحاصله أنه يلزمهم أن يكون الكليم عليه السلام دون آحاد المعتزلة علما ودون من حصل طرفا من الكلام في معرفة ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، وهذه كلمة حمقاء وطريقة عوجاء لا يسلكها أحد من العقلاء، فإن كون الأنبياء عليهم السلام أعلم ممن عداهم بذاته تعالى وصفاته العلا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، وكون الرؤية في الدنيا غير واقعة عند الفريقين إن أريد به أنها غير ممكنة الوقوع فهو أول المسألة، وإن أريد أنها ممكنة لكنها لا تقع لأحد فلا نسلم أنه أجمع على ذلك الفريقان، أما المعتزلة فلأنهم لا يقولون بإمكانها، وأما أهل السنة فلأن كثيرا منهم ذهب إلى أنها وقعت لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الإسراء، وهو قول ابن عباس وأنس وغيرهما، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: من زعم أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله سبحانه الفرية. مدفوع أو مؤول بأن المراد: من زعم أن [ ص: 49 ] محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم في نوره الذي هو نوره أعني النور الشعشعاني الذي يذهب بالأبصار، وهو المشار إليه في حديث: «لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره».

فقد أعظم الفرية، ومن هذا يعلم ما في احتمال إرادة عدم الوقوع مع قطع النظر عن الإمكان وعدمه. وقولهم: إنه يجوز أن لا يكون ذلك الطلب محرما في شرعه فلا يمتنع يرد عليه أن دليل الحرمة ظاهر، فإن طلب المحال لو لم يكن حراما في شرعه عليه السلام لما بلغ في التشنيع على قومه حين طلبوا ما طلبوا على أنا لو سلمنا أنه ليس بحرام يقال: إنه لا فائدة فيه وما كان كذلك فمنصب النبوة منزه عنه، ومن هذا يعلم ما في قولهم الأخير.

وأجيب عن قولهم: إن المعلق عليه هو استقرار الجبل حال حركته بأنهم إن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار حال وجود الحركة مع الحركة فهو زيادة إضمار وترك لظاهر اللفظ من غير دليل فلا يصح، وإن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار في الحالة التي وجدت فيها الحركة بدلا عن الحركة فلا يخفى جوازه، فكيف يدعى أنه محال لذاته؟ وبعضهم قال في الرد: إن المعلق عليه استقرار الجبل بعد النظر بدليل الفاء، وحين تعلقت إرادة الله تعالى بعدم استقراره عقيب النظر استحال استقراره وإن كان بالغير فعدل عن القول بالمحال بالذات إلى القول بالمحال بالغير؛ لأن الغرض يتم به أيضا، وتعقبه السالكوتي وغيره بأنه ليس بشيء؛ لأن استقرار الجبل حين تعلق إرادته تعالى بعدم استقراره أيضا ممكن بأن يقع بدله الاستقرار، إنما المحال استقراره مع تعلق إرادته سبحانه بعدم الاستقرار، ولبعض فضلاء الروم هاهنا كلام نقله الشهاب لا تغرنك قعقعته؛ فإن الظواهر لا تترك لمجرد الاحتمال المرجوح، وأجيب عن قولهم لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن إلخ. بأن المراد بالممكن المعلق عليه الممكن الصرف والخالي عن الامتناع مطلقا، ولا شك أن إمكان المعلول فيما امتنع عدم علته ليس كذلك بل التعليق بينهما إنما هو: بحسب الامتناع بالغير؛ فإن استلزام عدم الصفات وعدم العقل الأول عدم الواجب من حيث إن وجود كل منهما واجب وعدمه ممتنع بوجود الواجب، وأما بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن الأمور الخارجة فلا استلزام بخلاف استقرار الجبل؛ فإنه ممكن صرف غير ممتنع لا بالذات ولا بالعرض كما لا يخفى، على أن بعضهم نظر في صحة المثال لغة وإن كان فيه ما فيه، وما قيل: إنه ليس المقصود في الآية بيان جواز الرؤية وعدم جوازها إذ هو غير مسؤول عنه بل المقصود إنما هو بيان عدم وقوعها وعدم الشرط متكفل بذلك كلام لا طائل تحته؛ إذ الجواز وعدم الجواز من مستتبعات التعليق بإجماع جهابذة الفريقين، وما ذكروه في المعارضة من أن (لن) تفيد تأبيد النفي غير مسلم، ولو سلم فيحتمل أن ذلك بالنسبة إلى الدنيا كما في قوله تعالى: ولن يتمنوه أبدا فإن إفادة التأبيد فيه أظهر، وقد حملوه على ذلك أيضا؛ لأنهم يتمنونه في الآخرة للتخلص من العقوبة، ومما يهدي إلى هذا أن الرؤية المطلوبة إنما هي: الرؤية في الدنيا وحق الجواب أن يطابق السؤال، وقد ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما يدل على أن نفي الرؤية مقيد لا مطلق؛ فليتبع بيانه عليه الصلاة والسلام.

فقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: تلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذه الآية: رب أرني إلخ. فقال: «قال الله تعالى: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم».

وهذا ظاهر في أن مطلوب موسى عليه السلام كان الرؤية في الدنيا مع بقائه على حالته [ ص: 50 ] التي هو عليها حين السؤال من غير أن يعقبها صعق لأن قوله عز وجل: إنه لن يراني حي إلخ ... لا ينفي إلا الرؤية في الدنيا مع الحياة لا الرؤية مطلقا، فمعنى: لن تراني في الآية لن تراني وأنت باق على هذه الحالة لا لن تراني في الدنيا مطلقا فضلا عن أن يكون المعنى لن تراني مطلقا لا في الدنيا ولا في الآخرة. نعم إن هذا الحديث مخصص بما صح مرفوعا وموقوفا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء مع عدم الصعق، ولعل الحكمة في اختصاصه صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك أن نشأته عليه الصلاة والسلام أكمل نشأة، وأعدلها صورة ومعنى لجامعيته صلى الله تعالى عليه وسلم للحقائق على وجه الاعتدال، وهي فيه متجاذبة، ومقتضى ذلك الثبات بإذن الله تعالى، ومع ذلك فلم يقع له التجلي إلا في دار البقاء، فاجتمع مقتضى الموطن مع مقتضى كمال اعتدال النشأة، وقد يقال أيضا على سبيل التنزيل: لو سلمنا دلالة (لن) على التأبيد مطلقا لكان غاية ذلك انتفاء وقوع الرؤية، ولا يلزم منه انتفاء الجواز، والمعتزلة يزعمون ذلك. وقولهم: قوله عليه السلام: تبت إليك يدل على كونه مخطئا ليس بشيء؛ لأن التوبة قد تطلق بمعنى الرجوع وإن لم يتقدمها ذنب، وعلى هذا فلا يبعد أن يكون المراد من تبت إليك أي: رجعت إليك عن طلب الرؤية.

وذكر ابن المنير أن تسبيح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وأما التوبة في حق الأنبياء عليهم السلام فلا يلزم أن تكون عن ذنب؛ لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال، وكان عليه -عليه السلام- نظرا إلى علو شأنه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الإذن فحيث سأل من غير إذن كان تاركا الأولى بالنسبة إليه.

وقد ورد: «حسنات الأبرار سيئات المقربين».

وذكر الإمام الرازي نحو ذلك. وقال الآمدي: إن التوبة وإن كانت تستدعي سابقية الذنب إلا أنه ليس هناك ما يدل قطعا على أن الذنب في سؤاله، بل جاز أن تكون التوبة عما تقدم قبل السؤال مما يعده هو عليه السلام ذنبا، والداعي لذلك ما رأى من الأهوال العظيمة من تدكدك الجبل على ما هو عادة المؤمنين الصلحاء من تجديد التوبة عما سلف إذا رأوا آية وأمرا مهولا،

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث