الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا

جزء التالي صفحة
السابق

ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون [ ص: 163 ] للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين

من بعدهم : من بعد الرسل، بآياتنا : بالآيات التسع، فاستكبروا : عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها، وكانوا قوما مجرمين : كفارا ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها، واجترؤوا على ردها، فلما جاءهم الحق من عندنا : فلما عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون، قالوا : لحبهم الشهوات، إن هذا لسحر مبين : وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلا تمويها وباطلا .

فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: إن هذا لسحر مبين على أنه سحر، فكيف قيل لهم: أتقولون أسحر هذا ؟

قلت: فيه أوجه; أن يكون معنى قوله: أتقولون للحق : أتعيبونه وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم: فلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه; ونحو القول: الذكر، في قوله: سمعنا فتى يذكرهم [الأنبياء: 60] ، ثم قال: أسحر هذا فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن عليه، وأن يحذف مفعول: "أتقولون" وهو ما دل عليه قولهم: إن هذا لسحر مبين كأنه قيل : أتقولون ما تقولون، يعني: قولهم: إن هذا لسحر مبين، ثم قيل: أسحر هذا؟ وأن يكون جملة قوله: أسحر هذا ولا يفلح الساحرون : حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح، ولا يفلح الساحرون : كما قال موسى للسحرة: "ما جئتم به السحر، إن الله سيبطله"، لتلفتنا : لتصرفنا، واللفت والفتل: أخوان، ومطاوعهما الالتفات والانفتال، عما وجدنا عليه آباءنا : يعنون: عبادة الأصنام، وتكون لكما الكبرياء : أي: الملك; لأن الملوك موصوفون بالكبر; ولذلك قيل للملك: الجبار، ووصف بالصيد والشوس، ولذلك وصف ابن الرقيات مصعبا في قوله [من الخفيف]:


ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء



[ ص: 164 ] ينفي ما عليه الملوك من ذلك، ويجوز أن يقصدوا ذمهما، وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا; كما قال القبطي لموسى -عليه السلام-: إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ، وما نحن لكما بمؤمنين أي: مصدقين لكما فيما جئتما به، وقرئ: "يطبع"، و"يكون لكما" بالياء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث