الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء

تنبيه:

حيثما وقع في حديث: من فعل كذا فقد أشرك، أو فقد كفر - لا يراد به الكفر المخرج من الملة، والشرك الأكبر المخرج عن الإسلام الذي تجري عليه أحكام الردة، والعياذ بالله تعالى، وقد قال البخاري : باب كفران العشير وكفر دون كفر.

قال القاضي أبو بكر ابن العربي في "شرحه": مراده أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد عليه الكفر المخرج عن الملة، فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة - ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون [ ص: 1308 ] مشركا أو كافرا - فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى تتبين له الحجة، الذي يكفر تاركها بيانا واضحا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا جليا قطعيا، يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع.

قال الشيخ تقي الدين في " كتاب الإيمان": لم يكفر الإمام أحمد الخوارج ولا المرجئة ولا القدرية، وإنما المنقول عنه وعن أمثاله تكفير الجهمية، مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال: أنا جهمي - كفره، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، ولم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى لهم الائتمام بالصلاة خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم بما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، كان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين، وظلمة فاسقين. انتهى كلام الشيخ، فتأمله تأملا خاليا عن الميل والحيف.

وقال الشيخ تقي الدين أيضا: من كان في قلبه الإيمان بالرسول وبما جاء به، وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع ولو دعا إليها، فهذا ليس بكافر أصلا، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة، من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن، ومن كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن، وإن كان أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه، وقد يكون في بعضهم شعبة من النفاق، ولا يكون فيه [ ص: 1309 ] النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار.

ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة - فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة. انتهى.

وقال ابن القيم في طرق أهل البدع: الموافقون على أصل الإسلام ولكنهم مختلفون في بعض الأصول كالخوارج والمعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية وغلاة المرجئة:

فهؤلاء أقسام:

أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

القسم الثاني: متمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذاته ومعاشه، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ما أوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا إن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى على ما فيه من البدعة والهوى قبلت شهادته.

الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويترك؛ تعصبا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا، وتكفيره محل اجتهاد. انتهى كلامه، فانظره وتأمله، فقد ذكر هذا التفصيل في غالب كتبه، وذكر أن الأئمة وأهل السنة لا يكفرونهم، هذا مع ما وصفهم به من الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، وبين في غالب كتبه مخازيهم.

ولنذكر من كلامه طرفا تصديقا لما ذكرنا عنه، قال رحمه الله في "المدارج": المثبتون للصانع نوعان:

أحدهما: أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته، كالمجوس ومن ضاهاهم من القدرية، فإنهم يثبتون مع الله إلها آخر، والمجوسية القدرية تثبت مع الله خالقا للأفعال، ليست أفعالهم مخلوقة لله ولا مقدورة له، وهي صادرة بغير مشيئته تعالى وقدرته، ولا قدرة له عليها، بل هم الذين جعلوا أنفسهم فاعلين مريدين شيائين، وحقيقة قول هؤلاء: إن الله ليس ربا خالقا لأفعال الحيوان. انتهى كلامه.

وقد ذكرهم بهذا الشرك في سائر كتبه، وشبههم [ ص: 1310 ] بالمجوس الذين يقولون: إن للعالم خالقين، وانظر لما تكلم على التكفير هو وشيخه كيف حكيا عدم تكفيرهم عن جميع أهل السنة، حتى مع معرفة الحق والمعاندة، قال: كفره محل اجتهاد، كما تقدم كلامه قريبا.

وقال ابن تيمية - وقد سئل عن رجلين تكلما في مسألة التكفير - فأجاب وأطال، وقال في آخر الجواب: لو فرض أن رجلا دفع التكفير عمن يعتقد أنه ليس بكافر؛ حماية له ونصرا لأخيه المسلم، لكان هذا غرضا شرعيا حسنا، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصابه فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله أجر.

وقال رحمه الله: التكفير إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة المجتمع عليها.

وسئل أيضا - قدس الله روحه - عن التكفير الواقع في هذه الأمة، من أول من أحدثه وابتدعه؟ فأجاب: أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة، وعنهم تلقاه من تلقاه، وكذلك الخوارج هم أول من أظهره، واضطرب الناس في ذلك، فمن الناس من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتان، وأبو الحسن الأشعري وأصحابه لهم قولان، وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرا، فيطلق القول بتكفير قائله، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، من تعريف الحكم الشرعي، من سلطان أو أمير مطاع، كما هو المنصوص عليه في كتب الأحكام، فإذا عرفه الحكم وزالت عنه الجهالة قامت عليه الحجة، وهذا كما هو في نصوص الوعيد من الكتاب والسنة، وهي كثيرة جدا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق، من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا كافر أو فاسق أو ملعون أو مغضوب عليه أو مستحق للنار، لا سيما إن كان للشخص فضائل وحسنات - فإن ما سوى الأنبياء يجوز عليهم الصغائر والكبائر مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقا أو شهيدا أو صالحا، كما قد بسط في غير هذا الموضع من أن موجب الذنوب تتخلف عنه بتوبة أو باستغفار، أو حسنات ماحية [ ص: 1311 ] أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو لمحض مشيئة الله ورحمته، فإذا قلنا بموجب قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا [النساء: من الآية 93] الآية، وقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10] وقوله: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين [النساء: 14] الآية، وقوله: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - إلى قوله -: ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما [النساء: من الآية 30] الآية، إلى غير ذلك من آيات الوعيد، وقلنا بموجب قوله - صلى الله عليه وسلم -: لعن الله من شرب الخمر أو من عق والديه أو من غير منار الأرض أو من ذبح لغير الله أو لعن الله السارق أو لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه [ ص: 1312 ] أو لعن الله لاوي الصدقة والمتعدي فيها أو من أحدث في المدينة حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد - لم يجز أن تعين شخصا ممن فعل بعض هذه الأفعال، وتقول: هذا المعين قد أصاب هذا الوعيد؛ لإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة، إلى أن قال: ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة باجتهاد أو تقليد ونحو ذلك، وغايته أنه معذور من لحوق الوعيد به لمانع، كما امتنع لحوق الوعيد بهم لتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك، وهذه السبيل هي التي يجب اتباعها، فإن ما سواها طريقان خبيثان:

أحدهما: القول بلحوق الوعيد بكل فرد من الأفراد بعينه، ودعوى أنها عمل بموجب النصوص، وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب، [ ص: 1313 ] والمعتزلة وغيرهم، وفساده معلوم بالاضطرار، وأدلته معلومة في غير هذا الموضع، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين الذي فعله لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار؛ لفوات شرط أو لحصول مانع، وهكذا الأقوال الذي يكفر قائلها، قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها، أو قد عرضت له شبهات يعذره الله بها.

فمن كان مؤمنا بالله وبرسوله، مظهرا للإسلام، محبا لله ورسوله، فإن الله يغفر له لو قارف بعض الذنوب القولية أو العملية، سواء أطلق عليه لفظ الشرك أو لفظ المعاصي، هذا الذي عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجماهير أئمة الإسلام، لكن المقصود أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل، بالفرق بين النوع والعين، بل لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمة الإسلام كمالك وأبي حنيفة والشافعي أنهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ونصوصهم صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان الإمام أحمد يطلق القول بتكفير الجهمية؛ لأنه ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كانوا يكفرون أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله ولا يدعو إليه، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقب، ومع هذا فالذين من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وإن ظاهر القرآن لا يحتج به في معرفة الله، ولا الأحاديث الصحيحة، وإن الدين لا يتم إلا بما زخرفوه من الآراء والخيالات الباطلة والعقول الفاسدة، وإن خيالاتهم وجهالاتهم أحكم في دين الله من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإن أقوال الجهمية والمعطلة من النفي والإثبات أحكم في دين الله، بسبب ذلك امتحنوا المسلمين وسجنوا الإمام أحمد وجلدوه، وقتلوا جماعة، وصلبوا آخرين، ومع ذلك لا يطلقون أسيرا ولا يعطون من بيت [ ص: 1314 ] المال إلا من وافقهم ويقر بقولهم، وجرى على الإسلام منهم أمور مبسوطة في غير هذا الموضع، ومع هذا التعطيل - الذي هو شر من الشرك - فالإمام أحمد ترحم عليهم واستغفر لهم، وقال: ما علمت أنهم مكذبون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا جاحدون لما جاء به، لكنهم تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال ذلك.

والإمام الشافعي لما ناظر حفص الفرد - من أئمة المعطلة - في مسألة (القرآن مخلوق) قال له الإمام الشافعي : كفرت بالله العظيم، فكفره ولم يحكم بردته بمجرد ذلك، ولو اعتقد ردته وكفره لسعى في قتله.

وأفتى العلماء بقتل دعاتهم مثل غيلان القدري ، والجعد بن درهم، وجهم بن صفوان إمام الجهمية وغيرهم، وصلى الناس عليهم ودفنوهم مع المسلمين، وصار قتلهم من باب قتل الصائل؛ لكف ضررهم، لا لردتهم، ولو كانوا كفارا لرآهم المسلمون كغيرهم، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.

وقال ابن القيم في "شرح المنازل": أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين، ويكون محبوبا لله ومبغوضا من وجهين، بل يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب من الآخر، فيكون إلى أهله كما قال تعالى: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان [آل عمران: من الآية 167] وقال: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فأثبت لهم - تبارك وتعالى - الإيمان مع مقارفة الشرك، فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان، وإن كان تصديق برسله وهم يرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل واليوم الآخر - فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أهل الكبائر، وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها [ ص: 1315 ] ودخولهم الجنة؛ لما قام بهم من السببين.

قال: وقال ابن عباس في قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة: من الآية 44] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس بكفر ينقل عن الملة، إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وكذلك قال طاوس وعطاء . انتهى كلامه.

وقال الشيخ تقي الدين : كان الصحابة والسلف يقولون: إنه يكون في العبد إيمان ونفاق، وهذا يدل عليه قوله عز وجل: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان [آل عمران: من الآية 167] وهذا كثير في كلام السلف، يبينون أن القلب يكون فيه إيمان ونفاق، والكتاب والسنة يدل على ذلك.

ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان .

فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل قليل لم يخلد في النار ، وإن كان معه كثير من النفاق، فهذا يعذب في النار على قدر ما معه ثم يخرج، إلى أن قال: وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه [ ص: 1316 ] شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر، وشعبة من شعب النفاق، وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة، ابن عباس وغيره: كفر دون كفر، وهذا عامة قول السلف. انتهى.

فتأمل هذا الفصل وانظر حكايتهم الإجماع من السلف، ولا تظن أن هذا في المخطئ، فإن ذلك مرفوع عنه إثم خطئه كما تقدم مرارا عديدة.

وقال الشيخ تقي الدين في كتاب "الإيمان": الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن، وإن المنافقين الذين قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: من الآية 8] هم في الظاهر مؤمنون، يصلون مع المسلمين، ويناكحونهم ويوارثونهم، كما كان المنافقون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفر لا في مناكحتهم ولا في موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي - وهو من أشهر الناس في النفاق - ورثه عبد الله ابنه، وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لهم وارث ورثوه مع المسلمين وإن علم أنه منافق في الباطن، وكذلك كانوا في الحدود والحقوق كسائر المسلمين، وكانوا يغزون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من هم بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، ومع هذا - ففي الظاهر - تجري عليهم أحكام أهل الإيمان، إلى أن قال: ودماؤهم وأموالهم معصومة ولا يستحل منهم ما يستحل من الكفار.

والذين يظهرون أنهم مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون الإيمان، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: أمرت أن أقاتل الناس [ ص: 1317 ] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله .

وكما قال لأسامة: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: فقلت: إنما قالها تعوذا، قال: هل شققت عن قلبه ؟ وقال: إني لم أؤمر أن أنقب [ ص: 1318 ] عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم .

وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول: أليس يصلي؟ أليس يشهد؟ فإذا قيل له: إنه منافق، قال ذلك.

فكان حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم ولا يستحل منها شيئا مع أنه يعلم نفاق كثير منهم. انتهى كلام الشيخ.

وقد أوضح حجة الإسلام الغزالي - رضي الله عنه - في "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" الكفر المخرج عن الملة - والعياذ بالله تعالى - بعد مقدمته المدهشة بقوله: لعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر بعد أن تتناقض عليك حدود أصناف المقلدين، فاعلم أن شرح ذلك طويل ومدركه غامض، ولكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفرق وتطويل اللسان في أهل الإسلام، وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) صادقين بها غير مناقضين لها، فأقول: الكفر هو تكذيب الرسول - عليه السلام - في شيء مما جاء به، والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به. فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول عليه السلام. والبرهمي كافر بالطريق الأولى؛ لأنه أنكر مع رسولنا سائر المرسلين. والدهري كافر بالطريق الأولى؛ لأنه أنكر مع رسولنا المرسل سائر الرسل، وهذا لأن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا.

[ ص: 1319 ] إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص، وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى، والتحق بهم بالطريق الأولى البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية، وكلهم مشركون، فإنهم مكذبون للرسول، فكل كافر مكذب للرسول، وكل مكذب فهو كافر، فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة.

وتتمة هذا البحث في هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه فاضل، فارجع إليه، وعض بنواجذك عليه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث