الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل للناس في وجه تكرير البراءة من الجانبين طرق

وقوله { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } يبين [ ص: 570 ] أن كل من رغب عنها فقد سفه نفسه . وفيه من جهة الإعراب والمعنى قولان .

أحدهما وهو قول الفراء وغيره من نحاة الكوفة واختيار ابن قتيبة وغيره وهو معنى قول أكثر السلف أن النفس هي التي سفهت . فإن " سفه " فعل لازم لا يتعدى لكن المعنى : إلا من كان سفيها فجعل الفعل له ونصب النفس على التمييز لا النكرة كقوله { واشتعل الرأس شيبا } .

وأما الكوفيون فعرفوا هذا وهذا . قال الفراء : نصب النفس على التشبيه بالتفسير كما يقال : ضقت بالأمر ذرعا معناه : ضاق ذرعي به . ومثله { واشتعل الرأس شيبا } أي اشتعل الشيب في الرأس . قال : ومنه قوله : ألم فلان رأسه ووجع بطنه ورشد أمره . وكان الأصل : سفهت نفس زيد ورشد أمره فلما حول الفعل إلى زيد انتصب ما بعده على التمييز .

فهذه شواهد عرفها الفراء من كلام العرب . ومثله قوله : غبن فلان رأيه وبطر عيشه . ومثل هذا قوله { بطرت معيشتها } أي بطرت نفس المعيشة . وهذا معنى قول يمان بن رباب : حمق رأيه ونفسه وهو معنى قول ابن السائب : ضل من قبل نفسه وقول [ ص: 571 ] أبي روق : عجز رأيه عن نفسه .

والبصريون لم يعرفوا ذلك . فمنهم من قال : جهل نفسه كما قاله ابن كيسان والزجاج . قال : لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه لأنه لم يعلم خالقها .

وهذا الذي قالوه ضعيف . فإنه إن قيل إن المعنى صحيح فهو إنما قال ( سفه و " سفه " فعل لازم ليس بمتعد و " جهل " فعل متعد . وليس في كلام العرب " سفهت كذا " ألبتة بمعنى : جهلته . بل قالوا : سفه بالضم سفاهة أي صار سفيها وسفه بالكسر أي حصل منه سفه كما قالوا في " فقه وفقه " . ونقل بعضهم : سفهت الشرب إذا أكثرت منه . وهو يوافق ما حكاه الفراء أي صار شربه سفيها فسفه شربه لما جاوز الحد .

وقال الأخفش ويونس : نصب بإسقاط الخافض أي سفه في نفسه . وقولهم " بإسقاط الخافض " ليس هو أصلا فيعتبر به ولكن قد تنزع حروف الجر في مواضع مسموعة فيتعدى الفعل بنفسه . وإن كان مقيسا في بعض الصور . ف " سفه " ليس من هذا لا يقال : سفهت أمر الله ولا دين الإسلام بمعنى : جهلته أي سفهت فيه . وإنما يوصف بالسفه وينصب على التمييز ما خص به . [ ص: 572 ] مثل نفسه أو شربه ونحو ذلك .

والمقصود أن كل من رغب عن ملة إبراهيم فهو سفيه . قال أبو العالية : رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله وتركوا دين إبراهيم . وكذلك قال قتادة : بدلوا دين الأنبياء واتبعوا المنسوخ .

فأما موسى والمسيح ومن اتبعهما فهم على ملة إبراهيم متبعون له وهو إمامهم . وهذا معنى قوله { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } . فهو يتناول الذين اتبعوه قبل مبعث محمد وبعد مبعثه . وقيل إنه عام قال الحسن البصري : كل مؤمن ولي إبراهيم ممن مضى وممن بقي . وقال الربيع بن أنس : هم المؤمنون الذين صدقوا نبي الله واتبعوه وكان محمد والذين معه من المؤمنين أولى الناس بإبراهيم . وهذا وغيره مما يبين أن اليهود والنصارى لا يعبدون الله وليسوا على ملة إبراهيم .

فإن قيل : فالمشرك يعبد الله وغيره بدليل قول الخليل { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } { أنتم وآباؤكم الأقدمون } { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } . فقد استثناه مما يعبدون فدل على أنهم كانوا يعبدون الله . وكذلك قوله { إنني براء مما تعبدون } { إلا الذي فطرني } واستثناه [ ص: 573 ] أيضا . وفي المسند وغيره حديث { حصين الخزاعي لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا حصين كم تعبد اليوم ؟ قال : سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء . قال : فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك ؟ قال : الذي في السماء } .

قيل : هذا قول المشركين كما تقول اليهود والنصارى : نحن نعبد الله . فهم يظنون أن عبادته مع الشرك به عبادة وهم كاذبون في هذا .

وأما قول الخليل ففيه قولان . قال طائفة : إنه استثناء منقطع . وقال عبد الرحمن بن زيد : كانوا يعبدون الله مع آلهتهم .

وعلى هذا فهذا لفظ مقيد . فإنه قال { ما تعبدون } . فسماه عبادة إذا عرف المراد لكن ليست هي العبادة التي هي عند الله عبادة . فإنه كما قال تعالى : " { أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك } " . وهذا كقوله تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } . سماه إيمانا مع التقييد وإلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلها آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق . وقد قال { يؤمنون بالجبت والطاغوت } { فبشرهم بعذاب أليم } . فهذا مع التقييد . ومع الإطلاق فالإيمان هو الإيمان بالله والبشارة بالخير . [ ص: 574 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث