الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقامات العبد في التوحيد

ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية أو توحيد أحدهما : للعبد فيه ثلاث مقامات :

( أحدها ) مقام الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات .

( والثاني ) مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده . وبمعبوده عن عبادته وبموحده عن توحيده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه ; فهذا فناء عن إدراك السوي وهو فناء القاصرين .

وأما الفناء الكامل المحمدي : فهو الفناء عن عبادة السوي والاستعانة بالسوي وإرادة وجه السوي وهذا في الدرجة الثالثة وهو شهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربوبيته .

ويرى أنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها وأنه على كل شيء وكيل وأنه رب العالمين وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده لا خالق غيره ولا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه ; ويشهد أيضا [ ص: 460 ] فعل المأمورات مع كثرتها وترك الشبهات مع كثرتها لله وحده لا شريك له .

وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء والإسلام العام والإيمان العام ; وبه أنزلت السور المكية ; وإليه الإشارة بقوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } وبقوله : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } وبقوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } ولهذا ترجم البخاري عليه باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد .

وقد قال تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فجمع في الملل الأربع : { من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } وذلك قبل النسخ والتبديل .

وخص في أول الآية المؤمنين وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } والشرعة هي الشريعة والمنهاج هو الطريقة والدين الجامع هو الحقيقة الدينية وتوحيد الربوبية هو الحقيقة الكونية فالحقيقة المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين .

[ ص: 461 ] فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم : { خير أمة أخرجت للناس } وبها أنزلت السور المدنية ; إذ في المدينة النبوية شرعت الشرائع وسنت السنن ونزلت الأحكام والفرائض والحدود .

فهذا التوحيد : هو الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإليه تشير مشايخ الطريقة وعلماء الدين لكن بعض ذوي الأحوال قد يحصل له في حال الفناء القاصر سكر وغيبة عن السوي والسكر وجد بلا تمييز .

فقد يقول في تلك الحال : سبحاني أو ما في الجبة إلا الله أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي أو غيره من الأصحاء وكلمات السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى ; إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهي عنه .

فأما إذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني ; فسكر الأجسام بالطعام والشراب وسكر النفوس بالصور وسكر الأرواح بالأصوات .

وفي مثل هذا الحال : غلط من غلط بدعوى الاتحاد والحلول العيني في مثل دعوى النصارى في المسيح ودعوى الغالية في علي وأهل البيت ودعوى قوم من الجهال الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما وربما اشتبه عليهم الاتحاد النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي .

[ ص: 462 ] فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : { يقول الله : عبدي مرضت فلم تعدني فيقول كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ فيقول أما علمت أنه مرض عبدي فلان ; فلو عدته لوجدتني عنده . عبدي جعت فلم تطعمني فيقول ربي : كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ فيقول : أما علمت أن عبدي فلانا جاع ; فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي } .

ففسر ما تكلم به في هذا الحديث أنه جوع عبده ومحبوبه لقوله : { لوجدت ذلك عندي } ولم يقل لوجدتني قد أكلته ولقوله : { لوجدتني عنده } ولم يقل لوجدتني إياه وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر ويأمر بما يأمر به ويبغض ما يبغضه ويكره ما يكرهه وينهى عما ينهى عنه .

وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم .

ولهذا قال تعالى فيه : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وقال : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } وقال { من يطع الرسول فقد أطاع الله } .

" وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح قالها فهذا معناها كقوله أنا وأبي واحد . من رآني فقد رأى أبي " ونحو ذلك [ ص: 463 ] وبها ضلت النصارى حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم في القرآن لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وناظروه في المسيح .

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم { من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي } فأخبر في هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب إليه العبد بالنوافل المستحبة التي يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه .

وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل وأن قرب الفرائض أن يكون هو إياه فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فهذا القرب يجمع الفرائض والنوافل ; فهذه المعاني وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية أتباع الأنبياء والمرسلين .

وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتابا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله واحدا بعينه وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم .

[ ص: 464 ] وقد كتبت في ذلك كتابا ربما يرسل إلى الشيخ وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل والله تعالى يعلم - وكفى به عليما - لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات - وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق وتهتك أستارها ; ولكن الشيخ - أحسن الله تعالى إليه - يعلم أن مقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل : أن يكون الدين كله لله وهو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى : { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } { وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } . وقال سبحانه : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } وقال تعالى : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } { صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } .

وهؤلاء موهوا على السالكين : التوحيد - الذي أنزل الله تعالى به الكتب وبعث به الرسل - بالاتحاد الذي سموه توحيدا وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق .

وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه : لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من " الفتوحات " " والكنة " " والمحكم المربوط " " والدرة الفاخرة " " ومطالع النجوم " ونحو ذلك . ولم نكن بعد اطلعنا على [ ص: 465 ] حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا .

فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء : وجب البيان . وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام : رجال سالكون أهل صدق وطلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقية مقصودهم .

والشيخ - أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحقق قصده من نصحه للإسلام وأهله ولإخوانه السالكين - يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث