الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل إذا تبين بعض ما حصل في هذا الاختلاف والتفرق من الفساد فنحن نذكر طريق زوال ذلك ونذكر ما هو الواجب في الدين في هذه المنازعات وذلك ببيان الأصلين اللذين هما " السنة والجماعة " [ ص: 368 ] المدلول عليهما بكتاب الله فإنه إذا اتبع كتاب الله وما تضمنه من اتباع رسوله والاعتصام بحبله جميعا حصل الهدى والفلاح وزال الضلال والشقاء .

أما الأصل الأول : وهو " الجماعة " وبدأنا به لأنه أعرف عند عموم الخلق ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معاني الكتاب والسنة .

فنقول : عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات لا في واجبات ومحرمات ; فإن الرجل إذا حج متمتعا أو مفردا أو قارنا كان حجه مجزئا عند عامة علماء المسلمين وإن تنازعوا في الأفضل من ذلك ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب أو يمنع ذلك فمن الشيعة من يوجب المتعة ويحرم ما عداها ومن الناصبة من يحرم المتعة ولا يبيحها بحال .

وكذلك الأذان سواء رجع فيه أو لم يرجع فإنه أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها وسواء ربع التكبير في أوله أو ثناه وإنما يخالف في ذلك بعض شواذ المتفقهة كما خالف فيه بعض الشيعة فأوجب له الحيعلة " بحي على خير العمل " وكذلك الإقامة يصح فيها الإفراد والتثنية بأيها أقام صحت إقامته عند عامة علماء الإسلام إلا [ ص: 369 ] ما تنازع فيه شذوذ الناس .

وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز لا يبطل الصلاة وإن كان من العلماء من يستحب أحدهما أو يكره الآخر أو يختار أن لا يقرأ بها . فالمنازعة بينهم في المستحب وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند عوام العلماء فإنهم وإن تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما هل هما واجبان أم لا ؟ وفيه نزاع معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما فهذا في الجو الطويل بالقدر الكثير مثل المخافتة بقرآن الفجر والجهر بقراءة صلاة الظهر .

فأما الجهر بالشيء اليسير أو المخافتة به فمما لا ينبغي لأحد أن يبطل الصلاة بذلك وما أعلم أحدا قال به . فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في صلاة المخافتة يسمعهم الآية أحيانا وفي صحيح البخاري { عن رفاعة بن رافع الزرقي قال : كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة . قال : سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال : من المتكلم ؟ قال : أنا قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول } .

ومعلوم أنه لولا جهره بها لما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم ولا [ ص: 370 ] الراوي . ومعلوم أن المستحب للمأموم المخافتة بمثل ذلك وكذلك ثبت في الصحيح عن عمر أنه كان يجهر بدعاء الاستفتاح " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك . وهذا فعله بين المهاجرين والأنصار . والسنة الراتبة فيه المخافتة وكذلك كان من الصحابة من يجهر بالاستعاذة وفي الصحيح عن ابن عباس أنه جهر بقراءة الفاتحة على الجنازة وقال : لتعلموا أنها السنة ولهذا نظائر .

وأيضا فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة كابن الزبير ونحوه ومنهم من لم يكن يجهر بها كابن مسعود وغيره وتكلم الصحابة في ذلك ولم يبطل أحد منهم صلاة أحد في ذلك . وهذا مما لم أعلم فيه نزاعا وإن تنازعوا في وجوب قراءتها فتلك مسألة أخرى .

وكذلك القنوت في الفجر إنما النزاع بينهم في استحبابه أو كراهيته وسجود السهو لتركه أو فعله وإلا فعامتهم متفقون على صحة صلاة من ترك القنوت وأنه ليس بواجب وكذلك من فعله إذ هو تطويل يسير للاعتدال ودعاء الله في هذا الأذان فإذا كان كل واحد من مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 371 ] بأحد النوعين صار ذلك مثل تعليمه القرآن لعمر بحرف ولهشام بن حكيم بحرف آخر كلاهما قرآن أذن الله أن يقرأ به .

وكذلك الترجيع في الأذان هو ثابت في أذان أبي محذورة وهو محذوف من أذان بلال الذي رووه في السنن وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة بها صح الجهر بها عن طائفة من الصحابة وصحت المخافتة بها عن أكثرهم وعن بعضهم الأمران جميعا .

وأما المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم فالذي في الصحاح والسنن ; يقتضي أنه لم يكن يجهر بها كما عليه عمل أكثر الصحابة وأمته ففي الصحيح حديث أنس وعائشة وأبي هريرة يدل على ذلك دلالة بينة لا شبهة فيها وفي السنن أحاديث أخر : مثل حديث ابن مغفل وغيره وليس في الصحاح والسنن حديث فيه ذكر جهره بها والأحاديث المصرحة بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث ولهذا لم يخرجوا في أمهات الدواوين منها شيئا ولكن في الصحاح والسنن أحاديث محتملة .

وقد روى الطبراني بإسناد حسن { عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها إذ كان بمكة وأنه لما هاجر إلى المدينة ترك الجهر بها حتى مات } . ورواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ وهذا [ ص: 372 ] يناسب الواقع ; فإن الغالب على أهل مكة كان الجهر بها وأما أهل المدينة والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها وكذلك أكثر البصريين وبعضهم كان يجهر بها ولهذا سألوا أنسا عن ذلك . ولعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها بعض الأحيان أو جهرا خفيفا إذا كان ذلك محفوظا وإذا كان في نفس كتب الحديث أنه فعل هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة .

وأما القنوت فأمره بين لا شبهة فيه عند التأمل التام ; فإنه قد ثبت في الصحاح { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الفجر مرة يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم تركه } ولم يكن تركه نسخا له لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين : مثل الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين ويدعو على مضر وثبت عنه أنه قنت أيضا في المغرب والعشاء وسائر الصلوات قنوت استنصار .

فهذا في الجملة منقول ثابت عنه لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تركه ترك نسخ فاعتقد أن القنوت منسوخ واعتقد بعضهم من المكيين أنه ما زال يقنت في الفجر القنوت المتنازع فيه حتى فارق الدنيا والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قنت لسبب وتركه لزوال السبب .

[ ص: 373 ] فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب ; لأنه ثبت أنه تركه لما زال العارض ثم عاد إليه مرة أخرى ثم تركه لما زال العارض وثبت في الصحاح أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا هكذا ثبت عن أنس وغيره ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت القنوت المتنازع فيه لا قبل الركوع ولا بعده ولا في كتب الصحاح والسنن شيء من ذلك بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر وأبي مالك الأشجعي وغيرهما .

ومن المعلوم قطعا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان كل يوم يقنت قنوتا يجهر به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت العارض وقنوت الوتر فالقنوت الراتب أولى أن ينقل دعاؤه فيه فإذا كان الذي نستحبه إنما يدعو فيه لقنوت الوتر علم أنه ليس فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مما يعلم باليقين القطعي كما يعلم عدم النص على هذا وأمثاله فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نقل ذلك فإنه مما يعلم بطلانه قطعا .

وكذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما هو القنوت العارض قنوت النوازل ودعاء عمر فيه وهو قوله : " اللهم عذب كفرة أهل الكتاب " إلخ . يقتضي أنه دعا به عند قتله للنصارى وكذلك دعاء علي عند قتاله لبعض أهل القبلة . والحديث الذي فيه عن [ ص: 374 ] أنس : { أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا } مع ضعف في إسناده وأنه ليس في السنن إنما فيه القنوت قبل الركوع .

وفي الصحاح عن أنس أنه قال : { لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهرا } والقنوت قبل الركوع هو القيام الطويل ; إذ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة فتارة يكون في السجود وتارة يكون في القيام كما قد بيناه في غير هذا الموضع .

وأما حجة الوداع وإن اشتبهت على كثير من الناس فإنما أتوا من جهة الألفاظ المشتركة حيث سمعوا بعض الصحابة يقول : إنه تمتع بالعمرة إلى الحج وهؤلاء أيضا يقولون إنه أفرد الحج ويقول بعضهم إنه قرن العمرة إلى الحج ولا خلاف في ذلك . فإنهم لم يختلفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه وأنه كان قد ساق الهدي ونحره يوم النحر وأنه لم يعتمر بعد الحجة في ذلك العام لا هو ولا أحد من أصحابه إلاعائشة أمر أخاها أن يعمرها من التنعيم أدنى الحل وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه فيها أنه لم يطف بالصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طوافه الأول .

فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا لأنه أفرد أعمال الحج لم يقرن [ ص: 375 ] بها عمل العمرة كما يتوهم من يقول إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ولم يتمتع تمتعا حل به من إحرامه كما يفعله المتمتع الذي لم يسق الهدي ; بل قد أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة ويهلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم . ا هـ

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث