الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حديث سؤال النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه

( السبب الرابع الدافع للعقاب ) : دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه } . وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه } رواهما مسلم . وهذا دعاء له بعد الموت . فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر وحده فإن ذلك مغفور له عند المتنازعين . فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت . ( السبب الخامس ) : ما يعمل للميت من أعمال البر ؟ كالصدقة ونحوها فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة وكذلك العتق والحج . بل قد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : { من مات وعليه صيام صام عنه وليه } وثبت مثل ذلك في الصحيح من صوم النذر من [ ص: 499 ] وجوه أخرى ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } لوجهين . ( أحدهما ) أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } الآية . ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله تعالى { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } وقوله سبحانه : { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول } وقوله عز وجل : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } كدعاء المصلين للميت ولمن زاروا قبره - من المؤمنين - .

( الثاني ) : أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه وهذا حق فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه ; لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به ; كما أنه دائما يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم . وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به : آمين ولك [ ص: 500 ] بمثل } وكما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال : { من صلى على جنازة فله قيراط ; ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ; أصغرهما مثل أحد } فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه له ويرحم الميت أيضا بدعاء هذا الحي له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث