الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعالى أحكام تكليفية

جزء التالي صفحة
السابق

(أحكام تكليفية )

وتلتقي الأحكام الشرعية مع العبر والعظات ، وما مضى من السورة عظات ، وأخبار عن الأنبياء السابقين - وخصوصا إبراهيم عليه السلام - الذي ينتهي إليه أكثر أنبياء بني إسرائيل وإسماعيل ومحمد - صلى الله عليه وسلم - : وما بعد ذلك تكليفات مع بعض عبر الماضين .

[ ص: 82 ] إذا كانت القبلة ربطا للمسلمين بمكة ، فمناسك الحج الذي تقوم شعائره في مكة حول البيت الحرام فيقول سبحانه : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر .

ويذكر مآثم اليهود وغيرهم ممن يكتمون العلم فيذكر سبحانه وتعالى ، أنهم مبعدون عن الله تعالى وعن رحمته ، ويذكر الشرك بالله تعالى ، وما يفعله المشركون ، ويقرر وحدانية الله تعالى ، ويثبت التوحيد بالخلق والتكوين ، والنعم المتضافرة فيقول : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنـزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .

ويذكر سبحانه بعد هذه الآلاء والنعم من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ، ويذكر حال أولئك يوم القيامة حيث يتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا .

ويبين سبحانه ما أباحه الله من الطيبات . ويذكر حال الذين كفروا من ندائهم الأوثان بأنهم في حالهم كالبهائم التي تنعق بما لا تسمع ، ويكرر سبحانه إباحة الطيبات ووجوب الشكر على إباحتها ، ثم يذكر تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، وأن الإثم يرفع في حال الاضطرار ، ويذكر من بعد ذلك الذين يكتمون كتاب الله ويشترون به ثمنا قليلا ، وأن مأواهم النار .

يذكر سبحانه أن البر ليس في أعمال الجوارح ، إنما البر في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بعد الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، والقيام بالواجبات الاجتماعية كلها من وفاء بالعهد ، وصبر في البأساء والضراء وحين البأس .

ثم يبين سبحانه وتعالى حكم القصاص ، وأن فيه حياة الجماعة هانئة فاضلة ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ، ويذكر [ ص: 83 ] الوصية للأقربين الذين لا يرثون ، لأنه حيث يذكر القصاص يذكر معه الموت ونتائجه .

ثم يذكر فرضية الصوم ، وأنه إذا كان القصاص فيه حياة آمنة ، فالصوم فيه الروحانية الكاملة ، فذكر فرضية صوم رمضان والأعذار المسوغة للإفطار والقضاء إن أمكن ، وإن لم يمكن فالفدية ، ثم يذكر سبحانه ليالي رمضان ، وإباحة الرفث إلى النساء فيها . ويذكر حدود أوقات الصوم ، وبجوار تلك الروحانية يمنع من أكل أموال الناس بالباطل .

وإنه بعد بيان أوقات الصوم ذكر سبحانه وتعالى فضل الأهلة ، فبين أنها مواقيت للأشهر بالنسبة للصيام وبالنسبة للحج ، وبالنسبة للمعاملات بين الناس .

هذه كلها أحكام تكليفية آحادية أو جماعية ، وهناك الحكم الجماعي الذي تتضافر عليه الأمة ، وهو الجهاد ، وقد بين فيه أنه رد للاعتداء وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا وفيه منع للفتنة ، وأنها هي التي ينتهي عندها وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله

ويبين أن العمل في القتال هو المعاملة بالمثل ، فإن قاتلوا في الشهر الحرام قوتلوا فيه والحرمات قصاص ، ثم بين أن أخذ الأهبة والاستعداد لا بد منهما ، والإنفاق في سبيل الله يمنع التهلكة .

وينتقل من الجهاد إلى ذكر بعض مناسك الحج ; لأن الحج والجهاد متقاربان في تحمل المشقة . فيذكر الهدي والتحلل من الإحرام ، والإفاضة من المشعر الحرام ، وما يحل محل الهدي من صيام عشرة أيام ، وما يحل في الحج وما لا يحل ، ويشير إلى أحوال الناس وهم في ضيافة الرحمن .

[ ص: 84 ] ويذكر الله سبحانه وتعالى وجوب ذكره سبحانه في أيام معدودات ، وأن من تقدم في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى .

ثم يذكر سبحانه وتعالى أخلاق الحاكم الفاسد ، وهو من فقد الإيمان بالله وأوتي حلاوة اللسان والتغرير بها ، والحاكم الفاضل هو من يبتغي مرضاة الله تعالى .

ويدعو القرآن الكريم إلى الدخول في السلم (أي الإسلام ) ، ويثبت أن الناس جميعا أمة واحدة ، ويبين سبحانه أن النبيين جاءوا لمنع الاختلاف بين الناس بسبب الأهواء والشهوات ، ويبين سبحانه أنه لا علاج للشر إلا بتحمل أعباء الجهاد للخير ، وأن مقاومة الشر تستدعي تحمل أعباء الجهاد : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب .

ويبين سبحانه أن ذلك يقتضي أن يكون الإنفاق في الأسرة وفي الجهاد ، ويقتضي الاستعداد للقتال دائما ، وهو ما تكرهه الطبائع البشرية كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، وأن الأشهر الحرم ، وهي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ، القتال فيها حرام إلا إذا اضطروا إلى ذلك ، وأن من يرتد عن دينه بالفتنة ، فيموت على الردة يكون من الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، وأن الرحمة للذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ، ويبين سبحانه وتعالى حرمة الخمر والميسر ، وأنه إذا كان فيهما بعض النفع فالإثم أكبر .

ويبين سبحانه وتعالى العناية باليتامى بإصلاحهم ، وضمهم إلى الأسر الفاضلة ، وإلا كانوا مادة تخريب في الأمة ، فلا تكون صالحة للجهاد الذي يكون به رفعة الدين ، والعزة الإسلامية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث