الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الثالثة : لو أصابه ماء ميزاب ولا أمارة : كره سؤاله عنه على الصحيح من المذهب . ونقله صالح . فلا يلزم الجواب . وقيل : بلى ، كما لو سأل عن القبلة . وقيل : الأولى السؤال والجواب . وقيل : بلزومهما . وأوجب الأزجي إجابته إن علم نجاسته ، وإلا فلا .

قلت : وهو الصواب . وقال أبو المعالي : إن كان نجسا لزمه الجواب وإلا فلا .

نقله ابن عبيدان . قوله ( وإن اشتبه الطاهر بالنجس لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب ) . وكذا قال في الهداية والمذهب ، وهو كما قالوا . وعليه جماهير الأصحاب ، وجزم به في البلغة ، والوجيز ، والمذهب الأحمد ، والإفادات ، والمنتخب ، والتسهيل ، وغيرهم ، وقدمه في المذهب ، والمستوعب ، والكافي ، والمغني ، والشرح ، والتلخيص ، والمحرر ، والرعايتين ، والنظم ، ومجمع البحرين ، والحاويين ، وابن رزين ، وابن عبيدان ، وابن تميم ، وغيرهم قال الزركشي : وهو المختار للأكثرين . وهو من مفردات المذهب . وعنه يتحرى إذا كثر عدد الطاهر .

اختارها أبو بكر وابن شاقلا ، وأبو علي النجاد قال ابن رجب في القواعد : وصححه ابن عقيل .

[ ص: 72 ] تنبيهان

أحدهما : إذا قلنا يتحرى إذا كثر عدد الطاهر . فهل يكفي مطلق الزيادة ولو بواحد ، أو لا بد من الكثرة عرفا ، أو لا بد أن تكون تسعة طاهرة وواحد نجس ، أو لا بد أن تكون عشرة طاهرة وواحد نجس ؟ فيه أربعة أقوال . قدم في الفروع : أنه يكفي مطلق الزيادة . وهو الصحيح . وقدم في الرعايتين والحاوي الكبير . العرف ، واختاره القاضي في التعليق ، فقال : يجب أن يعتبر بما كثر عادة وعرفا ، واختاره النجاد . وقال الزركشي : المشهور عند القائل بالتحري : إذا كان النجس عشر الطاهر : يتحرى ، وجزم به في المذهب ، والتلخيص ، وغيرهم . وقال القاضي في جامعه : ظاهر كلام أصحابنا : اعتبار ذلك بعشرة طاهرة وواحد نجس . وأطلقهن ابن تميم وأطلق الأوجه الثلاثة الأول : الزركشي ، والفائق . الثاني : قوله " لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب " يشعر أن له أن يتحرى في غير الصحيح من المذهب سواء كثر عدد النجس الطاهر ، أو تساويا . ولا قائل به من الأصحاب ، لكن في مجمع البحرين أجراه على ظاهره . وقال : أطلق المصنف ، وفاقا لداود ، وأبي ثور ، والمزني . وسحنون من أصحاب مالك .

قلت : والذي يظهر : أن المصنف لم يرد هذا ، وأنه لم ينفرد بهذا القول . والدليل عليه قوله " في الصحيح من المذهب " فدل أن في المذهب خلافا موجودا قبله غير ذلك ، وإنما الخلاف فيما إذا كثر عدد الطاهر على ما تقدم .

أما إذا تساويا ، أو كان عدد النجس أكثر : فلا خلاف في عدم التحري ، إلا توجيه لصاحب الفائق ، مع التساوي ، ردا إلى الأصل . فيحتاج كلام المصنف إلى جواب لتصحيحه . [ ص: 73 ] فأجاب ابن منجا في شرحه ، بأن قال : هذا من باب إطلاق اللفظ المتواطئ إذا أريد به بعض محاله . وهو مجاز سائغ .

قلت : ويمكن أن يجاب عنه بأن الإشكال إنما هو في مفهوم كلامه ، والمفهوم لا عموم له عند المصنف ، وابن عقيل والشيخ تقي الدين ، وغيرهم من الأصوليين ، وأنه يكفي فيه صورة واحدة ، كما هو مذكور في أصول الفقه . وهذا مثله ، وإن كان من كلام غير الشارع . ثم ظهر لي جواب آخر أولى من الجوابين ، وهو الصواب وهو أن الإشكال إنما هو على القول المسكوت عنه . ولو صرح به المصنف لقيده . وله في كتابه مسائل كذلك ، نبهت على ذلك في أول الخطبة .

فوائد

إحداهما : ظاهر كلام الأصحاب القائلين بالتحري : أنه لا يتيمم وهو صحيح . واختار في الرعاية الكبرى : أنه يتيمم معه . فقد يعايى بها . الثانية : حيث أجزنا له التحري ، فتحرى فلم يظن شيئا . قال في الرعاية الكبرى : أراقهما ، أو خلطهما بشرطه المذكور . انتهى .

قلت : فلو قيل بالتيمم من غير إراقة ولا خلط . لكان أوجه ، بل هو الصواب ; لأن وجود الماء المشتبه هنا كعدمه .

تنبيه : محل الخلاف : إذا لم يكن عنده طهور بيقين .

أما إذا كان عنده طهور بيقين . فإنه لا يتحرى ، قولا واحدا .

ومحل الخلاف أيضا : إذا لم يمكن تطهير أحدهما بالآخر : فإن أمكن تطهير أحدهما بالآخر : امتنع من التيمم . قاله الأصحاب ; لأنهم إنما أجازوا التيمم هنا بشرط عدم القدرة على استعمال الطهور . وهنا هو قادر على استعماله . [ ص: 74 ]

مثاله : أن يكون الماء النجس دون القلتين بيسير . والطهور قلتان فأكثر بيسير ، أو يكون كل واحد قلتين فأكثر . ويشتبه . ومحل الخلاف أيضا : إذا كان النجس غير بول . فإن كان بولا لم يتحر ، وجها واحدا . قاله في الكافي ، وابن رزين ، وغيرهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية