الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وهو ثلاث ركعات بتسليمة ) أي الوتر لما رواه الحاكم وصححه وقال على شرطهما عن عائشة رضي الله عنها قالت { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن } قيل للحسن أن ابن عمر كان يسلم في الركعتين من الوتر فقال كان عمر أفقه منه وكان ينهض في الثانية بالتكبير ا هـ .

ونقله الطحاوي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما { قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى وإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى } فليس فيه دلالة على أن الوتر واحدة بتحريمة مستأنفة ليحتاج إلى الاشتغال بجوابه إذ يحتمل كلا من [ ص: 42 ] ذلك ومن كونه إذا خشي الصبح صلى واحدة متصلة ومع الاحتمال لا يقاوم الصرائح الواردة وقد روى الإمام أبو حنيفة بسنده { أنه عليه السلام كان يقرأ في الأولى ب { سبح اسم ربك الأعلى } وفي الثانية { قل يا أيها الكافرون } وفي الثالثة { قل هو الله أحد } } وما وقع في السنن وغيرها من زيادة المعوذتين أنكرها الإمام أحمد وابن معين ولم يخترها أكثر أهل العلم كما ذكره الترمذي كذا في شرح منية المصلي

وصحح الشارح الزيلعي أنه لا يجوز اقتداء الحنفي بمن يسلم من الركعتين في الوتر وجوزه أبو بكر الرازي ويصلي معه بقية الوتر لأن إمامه لم يخرج بسلامه عنده وهو مجتهد فيه كما لو اقتدى بإمام قد رعف واشتراط المشايخ لصحة اقتداء الحنفي في الوتر بالشافعي أن لا يفصله على الصحيح مفيد لصحته إذا لم يفصله اتفاقا ويخالفه ما ذكر في الإرشاد من أنه لا يجوز الاقتداء في الوتر بالشافعي بإجماع أصحابنا لأنه اقتداء المفترض بالمتنفل فإنه يفيد عدم الصحة فصل أو وصل فلذا قال بعده والأول أصح مشيرا إلى أن عدم الصحة إنما هو عند الفصل لا مطلقا معللا بأن اعتقاد الوجوب ليس بواجب على الحنفي ا هـ .

فمراده من الأول هو قوله في شروط الاقتداء بالشافعي ولا يقطع وتره بالسلام هو الصحيح ويشهد للشارح ما في السراج الوهاج أن الاقتداء به في العيدين صحيح ولم يرد فيه خلاف مع أنه سنة عند الشافعي وواجب عندنا وما نقله أصحاب الفتاوى عن ابن الفضل أن اقتداء الحنفي في الوتر بمن يرى أنه سنة كاليوسفي صحيح لأن كلا يحتاج إلى نية الوتر فلم تختلف نيتهما فأهدر اختلاف الاعتقاد في صفة الصلاة واعتبر مجرد اتحاد النية واستشكله في فتح القدير بما ذكره في التجنيس وغيره من أن الفرض لا يتأدى بنية النفل ويجوز عكسه فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز وتر الحنفي اقتداء بوتر الشافعي بناء على أنه لم يصح شروعه في الوتر لأنه بنيته إياه إنما نوى النفل الذي هو الوتر فلا يتأدى الواجب بنية النفل وحينئذ فالاقتداء به فيه بناء على المعدوم في زعم المقتدي نعم يمكن أن يقال لو لم يخطر بخاطره عند النية صفة من السنة أو غيرها بل مجرد الوتر ينتفي المانع فيجوز لكن إطلاق مسألة التجنيس يقتضي أنه لا يجوز وإن لم يخطر بخاطره نفلية وفرضية بعد أن كان المتقرر في اعتقاده نفليته وهو غير بعيد للمتأمل ا هـ .

وحاصله ترجيح ما في الإرشاد وتضعيف تصحيح الزيلعي

وما في الفتاوى عن ابن الفضل وليس فيما ذكره دليل عليه لأن ما في التجنيس وغيره إنما هو في الفرض القطعي والوتر ليس بفرض قطعي إنما هو واجب ظني ثبت بالسنة فلا يلزم اعتقاد وجوبه للاختلاف فيه فلم يلزم في صحته تعيين وجوبه بل تعيين كونه وترا بل صرح في المحيط والبدائع بأنه ينوي صلاة الوتر والعيدين فقط وصرح بعض المشايخ كما في شرح منية المصلي بأنه لا ينوي في الوتر أنه واجب للاختلاف في وجوبه فظهر بهذا أن المذهب الصحيح صحة الاقتداء بالشافعي في الوتر إن لم يسلم على رأس الركعتين وعدمها إن سلم [ ص: 43 ] والله الموفق للصواب ثم اعلم أن قوله في فتح القدير لكن إطلاق مسألة التجنيس يقتضي إلى آخره غفلة عما ذكره صاحب التجنيس في باب الوتر منه ولفظه إذا اقتدى في الوتر بمن يراه سنة وهو يراه واجبا ينظر إن كان نوى الوتر وهو يراه سنة أو تطوعا جاز الاقتداء بمنزلة من صلى الظهر خلف آخر وهو يرى أن الركوع سنة أو تطوع وإن كان افتتح الوتر بنية التطوع أو بنية السنية لا يصح الاقتداء لأنه يصير اقتداء المفترض بالمتنفل كذا ذكره الإمام الرستغفني هذا والذي ينبغي أن يفهم من قولهم أنه لا ينوي أنه واجب أنه لا يلزمه تعيين الوجوب لا أن المراد منعه من أن ينوي وجوبه لأنه لا يخلو إما أن يكون حنفيا أو غيره فإن كان حنفيا فينبغي أنه ينويه ليطابق اعتقاده وإن كان غيره فلا تضره تلك النية فإن من المعلوم أن انتفاء الوصف لا يوجب انتفاء الأصل فيبقى الأصل وهو صلاة الوتر هنا وقد كان يخرج به عن العهدة .

[ ص: 42 ]

التالي السابق


[ ص: 42 ] ( قوله لأن إمامه لم يخرج بسلامه عنده ) فيه أنه إن رجع الضمير في عنده إلى المقتدي الحنفي فلا شك في أن هذا السلام عنده مخرج من الصلاة حتى جاز له بعده الكلام ونحوه وكذا إذا رجع إلى الإمام لأنه كذلك مخرج من الصلاة نعم عند الحنفي سلامه مبطل للصلاة وعند الشافعي متمم ومخرج منها ولعل المراد بقوله لم يخرج بسلامه عنده أي عند إمامه أي لم يبطل وتره لصحة فصله عنده ويكون هذا القول مبنيا على أن العبرة لرأي الإمام كما سيأتي نقله عن الهندواني وجماعة ويؤيده قوله كما لو اقتدى بإمام قد رعف ( قوله مفيد لصحته إلخ ) في هذه الإفادة نظر لأن القول بأنه يشترط لصحة الاقتداء بالشافعي عدم الفصل على الصحيح مفيد للخلاف عند عدم الفصل لا للاتفاق ولعل قوله على الصحيح سبق قلم وعبارة الفتح هنا هكذا وما ذكر في الإرشاد لا يجوز الاقتداء في الوتر بإجماع أصحابنا لأنه اقتداء المفترض بالمتنفل يخالفه ما تقدم من اشتراط المشايخ في الاقتداء بشافعي في الوتر أن لا يفصله فإنه يقتضي صحة الاقتداء عند عدم فصله ولا غبار عليها

( قوله فلذا قال بعده ) أي قال الزيلعي بعد كلام الإرشاد والأول أي اشتراط عدم القطع بالسلام أصح وفي ذلك إشارة إلى أن عدم الصحة إنما هو عند الفصل فقط ثم لينظر فيما علل به من عدم وجوب اعتقاد الوجوب على الحنفي فإن الظاهر أن من قلد أبا حنيفة رحمه الله القائل بوجوبه يجب عليه اعتقاد ذلك وإلا لما وجب عليه الترتيب بينه وبين غيره واللازم باطل كما لا يخفى على أنه قد مر عن المشايخ في الجمع بين الروايات أنه واجب اعتقادا أي واجب اعتقاده لأنه تمييز محول عن الفاعل وأما قول الأصوليين أنه لازم عملا لا علما فالمراد نفي العلم القطعي ولذا قال المصنف في المنار وحكمه اللزوم عملا لا علما على اليقين ويمكن حمل كلام الزيلعي عليه بأن يكون معنى قوله ليس بواجب عليه نفي الافتراض واليقين أي لا يفترض عليه اعتقاد الوجوب ليظهر الفرق بينه وبين الصلوات الخمس فإنها واجبة عملا وعلما أي يلزمه فعلها واعتقادها

( قوله فلا يلزمه اعتقاد وجوبه ) فيه ما مر فتدبر [ ص: 43 ] ( قوله ولفظه إذا اقتدى إلخ ) هذا كما يدفع قول الفتح يقتضي إلخ يدفع قوله أيضا لأنه بنيته إياه إنما نوى النفل إلخ لأنه يقال عليه أنه نوى صلاة مخصوصة عينها بالوترية وهذا كاف في صحة الاقتداء كما دلت عليه عبارة التجنيس هذه وقد دلت أيضا على أن قول التجنيس أولا أن الفرض لا يتأدى بنية النفل معناه إذا نوى صريح النفل كالسنة أو التطوع فالنية بعنوان الوترية ليست نية النفلية قال في النهر بعد تقريره لحاصل ما قلنا وإذا تحققت هذا ظهر لك أن قوله في البحر ما في التجنيس أولا في الفرض القطعي والوتر ليس كذلك غير صحيح إذ مفاده أن الوتر يتأدى بنية النفل وهو خلاف الواقع فتدبره ا هـ .

وهو ظاهر وإن قال بعضهم أنه ليس بصواب بل مفاده جوازه بعنوان الوترية فتدبر

( قوله والذي ينبغي إلخ ) أقول : هذا خلاف الظاهر المتبادر من كلامهم بل المفهوم منه أن يقتصر على نية الوتر من غير تعيين وجوب وعبارة المحيط والبدائع صريحة في ذلك وإنما قالوا كذلك للاختلاف في وجوبه وسنيته فليس بواجب قطعا ولا بسنة قطعا فإذا أطلقه عن الوجوب يكون موافقا لكل من القولين ولا يخفى أن ما كان سنة وإن كان لا تضره نية الوجوب لكنه خلاف الأولى فكان الأولى عدم تعيين الوجوب سيما وقد قيل إنه فرض كما هو رواية عن الإمام كما مر قال في شرح المنية قال أبو بكر ابن العربي في العارضة مال سحنون وأصبغ من المالكية إلى وجوبه يريد به الفرض وحكي عن أبي بكر أنه واجب أي فرض وحكى ابن بطال في شرح البخاري عن ابن مسعود وحذيفة أنه واجب على أهل القرآن دون غيرهم والمراد بالوجوب الفرض واختار الشيخ علم الدين السخاوي المقري أنه فرض وعمل فيه جزاء وساق الأحاديث الدالة على فرضيته ثم قال فلا يرتاب ذو فهم بعد هذا أنها ألحقت بالصلوات الخمس في المحافظة عليها وفي المغني عن الإمام أحمد من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل شهادته ا هـ ما في شرح المنية فلا جرم قال المشايخ بنية الوتر فقط ليخرج عن العهدة بيقين فتأمل منصفا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث