الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إقبال المحيض وإدباره

314 320 - حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي". [انظر: 228 - مسلم: 333 - فتح: 1 \ 421] .

التالي السابق


قال البخاري:

حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".

وهذا الحديث سلف في باب: غسل الدم، وسفيان هذا هو ابن عيينة، وإن كان الثوري رواه عن هشام أيضا؛ لأن عبد الله بن محمد المسندي لم يرو عن الثوري شيئا، وهذا الحديث من طريق ابن عيينة في البخاري خاصة.

إذا تقرر ذلك كله فإقبال المحيض هو الدفعة من الدم، وتمسك عند [ ص: 105 ] رؤيتها عن الصلاة بالإجماع، إن كانت لا تحسب قرءا، وأما إدباره فهو إقبال الطهر، وله علامتان: القصة البيضاء، والجفوف، وهو أن تدخل الخرقة، فتخرجها جافة.

واختلف الفقهاء كما قال ابن رشد في علامة الطهر، فرأى قوم أن علامته القصة البيضاء أو الجفوف، وبه قال ابن حبيب، وسواء كانت عادتها القصة أو الجفوف، أي ذلك رأته طهرت، وفرق قوم فقالوا: إن كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف. واختلف أصحاب مالك فيه كما حكاه ابن بطال في أيها أبلغ براءة في الرحم من الحيض، فروى ابن القاسم عن مالك: إذا كانت ممن ترى القصة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف. وبه قال عيسى بن دينار أن القصة أبلغ من الجفوف، وروي ذلك عن أسماء بنت الصديق ومكحول.

وذكر ابن عبد الحكم، عن مالك أنها تطهر بالجفوف وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء؛ لأن أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم كدرة، ثم يكون رقيقا، فالقصة، ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل، فقد برئت الرحم من الحيض؛ لأنه ليس بعد الجفوف انتظار شيء، وممن قال أن الجفوف أبلغ عمر وعطاء بن أبي رباح، وهو قول عائشة السالف: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.

فدل أنها آخر ما يكون من علامات الطهر وأنه لا علامة بعدها أبلغ منها، ولو كانت علامة أبلغ منها لقالت حتى ترين القصة أو الجفوف.

وفي قولها: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء دلالة أن الصفرة [ ص: 106 ] والكدرة في أيام الحيض حيض؛ لأنها في حكم الحائض حتى ترى القصة البيضاء، وقد ترى قبلها صفرة وكدرة، وهو الصحيح عند الشافعية وقول باقي الأئمة الأربعة، وعن أبي يوسف: إن رأت الصفرة ابتداء فليس بحيض حتى يتقدمه دم. وخالفوه وقالوا: إنه حيض.

وفيه من الفقه أن العبادات الرافعة للحرج هي السنة، ومن خالفها فهو مذموم كما ذمته ابنة زيد بن ثابت، وإنما أنكرت افتقاد دم الحيض في غير أوقات الصلوات؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة، وإن كن قد طهرن تأهبن للغسل لها.

واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر ولا تغتسل حتى يطلع، فقال مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ويجزئها صوم ذلك اليوم، وقال الأوزاعي: تصومه وتقضيه، وقال أبو حنيفة: إن كانت أيامها أقل من عشرة صامته وقضته، فإن كانت أكثر منها صامته ولا قضاء، وعن عبد الملك بن الماجشون: يومها ذلك يوم فطر، ولا أدري إن كان يرى صومه أم لا، فإن كان لا يراه فهو شذوذ، ولا يعرج عليه، ولا معنى لمن اعتل به من أن الحيض ينقض الصوم والاحتلام لا ينقضه، لأن من طهرت من حيضتها ليست بحائض، والغسل إنما يجب عليها إذا طهرت، ولا يجب الغسل على حائض.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث