الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيع المعدوم في القياس

فصل .

[ منع أن بيع المعدوم لا يجوز من وجهين ] :

وأما المقدمة الثانية - وهي أن بيع المعدوم لا يجوز - فالكلام عليها .

أحدهما : منع صحة هذه المقدمة ; إذ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز ، لا بلفظ عام ولا بمعنى عام ، وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة ; فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود ، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر ، وهو ما لا يقدر على تسليمه ، سواء كان موجودا أو معدوما كبيع العبد الآبق والبعير الشارد إن كان موجودا ; إذ موجب البيع تسليم المبيع ، فإذا كان البائع عاجزا عن تسلميه فهو غرر ومخاطرة وقمار فإنه لا يباع إلا بوكس ، فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع ، وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع ، وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم ، كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة ; فالبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته ; وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله ، ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا [ ص: 8 ] يقدر على تسليمها ، سواء كانت موجودة أو معدومة ، وكذلك في النكاح إذا زوجه أمة لا يملكها أو ابنة لم تولد له ، وكذلك سائر عقود المعاوضات ، بخلاف الوصية فإنها تبرع محض فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر ، وطرده الهبة ; إذ لا محذور في ذلك فيها ; وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر حين أخذها من المغنم وسأله أن يهبها له فقال : { أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك } .

الوجه الثاني : أن نقول : بل الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع ; فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده ، ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعه قبل بدو صلاحه ، وأباحه بعد بدو الصلاح ، ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصلاح بشرط القطع كالحصرم جاز ، فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية إلى الصلاح ، ومن جوز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقا وجعل موجب العقد القطع ، وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقا ; لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ، ولم يكن فرق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه ; فإنه يقول : موجب العقد التسليم في الحال ، فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبد ، والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس الصحيح ، وقوله : " إن موجب العقد التسليم في الحال " جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه ، وكلاهما منتف في هذه الدعوى ; فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقيب العقد ، ولا العاقدان التزما ذلك ، بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه ، وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمن ، وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع ، كما كان لجابر رضي الله عنه غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة ، فكيف يمنعه الشارع ما فيه مصلحة له ولا ضرر على الآخرة فيها ؟ إذ قد رضي بها كما { رضي النبي صلى الله عليه وسلم على جابر بتأخير تسليم البعير } ، ولو لم ترد السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه ، ويجوز لكل بائع أن يستثني من منفعة المبيع ماله في غرض صحيح ، كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة أو دابة واستثنى ظهرها ، ولا يختص ذلك بالبيع ، بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة ، أو أعتق عبده واستثنى خدمته مدة ، أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته ، أو كاتب أمة واستثنى وطئها مدة الكتابة ، ونحوه ، وهذا كله منصوص أحمد ، وبعض أصحابه يقول : إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة ، بناء على هذا [ ص: 9 ] الأصل الذي قد تبين فساده ، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد ، وعن هذا الأصل قالوا : لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد ، وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجرة ; فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم ، ومنهم من قال : هذا مستثنى بالشرع ، بخلاف المستثنى بالشرط ، وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع للزوج ولم تدخل في البيع ، واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة ، بل قالوا : هذا مستثنى بالعرف ، فيقال : وهذا من أقوى الحجج عليكم ، فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف ، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع ; فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع ، كما أن الواجب بالنذر أوسع من الواجب بالشرع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث