الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في جمع الطلاق الثلاث

[ ص: 277 ] الثاني: أن قوله فطلقوهن إذن في مطلق الطلاق، ليس إذنا في كل طلاق. ومن ظن أن هذا عام فقد غلط ولم يفرق بين العام والمطلق، فإن قول القائل "كل" و"بع" ونحو ذلك إذن في مطلق الأكل والبيع، لا يتعرض للعموم لا بنفي ولا إثبات. ولهذا لم يكن تقييد هذا المطلق رفعا لمدلول اللفظ ولا نسخا له، وإذا لم يكن فيه عموم فهو لم يأذن إلا في الطلاق الذي وصفه، وهو أن يطلق للعدة وأن يحصي العدة ويتقي الله، وأنه إذا بلغن أجلهن أمسك بمعروف أو فارق بمعروف. وهذه الصفة إنما هي في الطلاق دون الثلاث، كما أنها إنما هي في الطلاق لاستقبال العدة، فمن طلقها حائضا فلم يطلق كما أمره الله تعالى. كذلك من لم يطلق الطلاق الموصوف بأن صاحبه لا يدري لعل الله يحدث بعده أمرا، وبأنه إذا بلغت المرأة أجلها فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بمعروف، فلم يطلق الطلاق الذي أمر الله به.

الثالث: أنه أمر بإحصاء العدة وأن يتقي الله، وأمر إذا بلغن أجلهن أن يمسك بمعروف أو يسرح بمعروف، وهذا لا يحتاج إليه في الثلاث، فإن الثلاث إنما يحتاج إلى إحصاء العدة لتحل لغيره، لا لأجل إمساكه وتسريحه.

الرابع: أنه قال لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، وهذا حكم المطلقة الرجعية، فإن زوجها أحق بها ما دامت في العدة، فليست كالزوجة من كل وجه، ولا كالبائن من كل وجه، بخلاف الزوجة فإن لها أن تخرج بإذن زوجها، والبائن لزوجها أن يخرجها بلا إذنها، فإنها لا تستحق عليه السكنى ولا النفقة، إلا أن يختار هو أن يحصنها، فله إلزامها بالسكنى لحقه في [ ص: 278 ] العدة. وقد دل على ذلك سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة في فاطمة بنت قيس حيث قال لها: "ليس لك سكنى ولا نفقة" . ولم يعارض ذلك أحد بمعارضة صحيحة، فإن القرآن لا يخالف ذلك بل يوافقه، فإن الله قال: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ، والضمير عائد على ما تقدم، وهي الرجعية. وما ذكره في الحامل والمرضع فبين فيه أن النفقة حينئذ لأجل الحمل، لا لأجل النكاح، ولهذا قال: حتى يضعن حملهن ، فهذا ذكره لغاية نفقة الحمل، وإلا فقد بين عدة الحامل بقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ، وقوله بعد ذلك: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن . وقد ثبت بالإجماع أن أجرة الرضاع نفقة الولد، وهي تجب للنسب لا للنكاح، فدل ذلك على أن نفقة الحامل لذلك.

ولهذا كان أصح القولين أن نفقة الحامل تجب للحمل، وحكمها حكم نفقة الولد التي تجب على والده، وهذا مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه، ومن قال: إنها تجب للزوجة من أجل الحمل، فكلامه متناقض لا يعقل.

الخامس: أنه قال لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، وهو كما قال غير واحد من الصحابة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، فإن [ ص: 279 ] الله ذكر هذا ليبين أنه قد يحدث بعد رغبة في الزوجة وندم على الطلاق، فيكون له سبيل إلى رجعتها.

السادس: أنه قال في سياق الآية: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، وقد قال الصحابة لمن طلق ثلاثا : لو اتقيت الله لجعل لك فرجا ومخرجا، فعلم أن جامع الثلاث لم يتق الله.

السابع: أنه قال فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ، والإشهاد إنما يؤمر به في حكم الطلاق الرجعي، وهو واجب على الرجعة في أحد القولين، ويستحب في الآخر.

الثامن: أنه قال فإذا بلغن أجلهن أي: وصلن إلى آخر المدة، فإن الأجل هو آخر المدة، والعدة مجموعها، ولهذا قال تعالى في الآيسات: فعدتهن ثلاثة أشهر ، وقال: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ، فجعل الأجل وضع الحمل، ولم يجعل ذلك عدة، لأن العدة ما يعد، وهي المدة التي تعد. وأما الأجل فهو آخر المدة.

ولهذا دلت هذه الآية على أن الحامل لا أجل لها إلا وضع الحمل، سواء كانت متوفى عنها أو مدخولا بها، ولهذا قال ابن مسعود: أشهد أن سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وقال سبحانه: فإذا بلغن أجلهن ، لأنه إنما يخير بين الإمساك والتسريح عند آخر المدة، بخلاف أثنائها، فإنه لا [ ص: 280 ] يسرحها حينئذ، وهذا إنما يكون في الرجعية.

التاسع: أنه خيره بين الإمساك والتسريح، وليس المراد بالتسريح هنا تطليقا بائنا باتفاق المسلمين، فإن ذلك لا يختص ببلوغ الأجل، بل المراد به تخلية سبيلها، كما قال: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ، فأمر بتسريح المطلقة قبل المسيس، وتلك ليست رجعية، ولا يلحقها الطلاق الثاني، وإنما المراد تخلية سبيلها وإزالة يده عنها، فإن له يدا على الرجعية، فإذا بانت لم يكن له عليها بد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث