الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إثبات الفرقة للمرأة إذا تعذرت النفقة بإعسار ونحوه

جزء التالي صفحة
السابق

باب إثبات الفرقة للمرأة إذا تعذرت النفقة بإعسار ونحوه 2977 - ( عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول ، فقيل : من أعول يا رسول الله ؟ قال : امرأتك ممن تعول ، تقول : أطعمني وإلا فارقني ، وجاريتك [ ص: 384 ] تقول : أطعمني واستعملني ، وولدك يقول : إلى من تتركني ؟ } رواه أحمد والدارقطني بإسناد صحيح ، وأخرجه الشيخان في الصحيحين وأحمد من طريق آخر وجعلوا الزيادة المفسرة فيه من قول أبي هريرة ) .

2978 - ( وعن أبي هريرة : { أن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال : يفرق بينهما } رواه الدارقطني )

التالي السابق


حديث أبي هريرة الأول حسن إسناده الحافظ وهو من رواية عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة وفي حفظ عاصم مقال ولفظ الحديث الذي أشار إليه المصنف عند البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول } . تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ، ويقول العبد : أطعمني واستعملني ، ويقول الابن : أطعمني ، إلى من تدعني ؟ " قالوا : يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، هذا من كيس أبي هريرة وحديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضا البيهقي من طريق عاصم القاري عن أبي صالح عن أبي هريرة وأعله أبو حاتم وفي الباب عن سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور والشافعي وعبد الرزاق " في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال : يفرق بينهما " قال أبو الزناد : قلت لسعيد : سنة ؟ قال : سنة وهذا مرسل قوي وعن عمر عند الشافعي وعبد الرزاق وابن المنذر " أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم : إما أن ينفقوا وإما أن يطلقوا ويبعثوا نفقة ما حبسوا " قوله : ( ما كان عن ظهر غنى ) فيه دليل على أن صدقة من كان غير محتاج لنفسه إلى ما تصدق به بل مستغنيا عنه أفضل من صدقة المحتاج إلى ما تصدق به ويعارضه حديث أبي هريرة عند أبي داود والحاكم يرفعه { أفضل الصدقة جهد من مقل } وقد فسره في النهاية بقدر ما يحتمله حال قليل المال . وحديث أبي هريرة أيضا عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال على شرط مسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { سبق درهم مائة ألف درهم فقال رجل : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال : رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها ، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به فهذا تصدق بنصف ماله } الحديث

ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ويؤيد الأول قوله تعالى: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك [ ص: 385 ] ولا تبسطها كل البسط } ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس إذا تصدق بجميع ماله أن يتصدق عن ظهر غنى والأفضل لمن يصبر على الفاقة أن يكون متصدقا بما يبلغ إليه جهده وإن لم يكن مستغنيا عنه ويمكن أن يكون المراد بالغنى غنى النفس كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما { ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس } قوله : ( اليد العليا ) هي يد المتصدق واليد السفلى يد المتصدق عليه ، هكذا في النهاية وسيأتي في باب النفقة على الأقارب ما يدل على هذا التفسير

قوله : ( وابدأ بمن تعول ) أي بمن تجب عليك نفقته قال في الفتح : يقال : عال الرجل أهله : إذا مانهم : أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وفيه دليل على وجوب نفقة الأولاد مطلقا وقد تقدم الخلاف في ذلك ، وعلى وجوب نفقة الأرقاء وسيأتي قوله : ( تقول أطعمني وإلا فارقني ) استدل به وبحديث أبي هريرة الآخر على أن الزوج إذا أعسر عن نفقة امرأته واختارت فراقه فرق بينهما ، وإليه ذهب جمهور العلماء كما حكاه في فتح الباري وحكاه صاحب البحر عن الإمام علي رضي الله عنه وعمر وأبي هريرة والحسن البصري وسعيد بن المسيب وحماد وربيعة ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي والإمام يحيى

وحكى صاحب الفتح عن الكوفيين أنه يلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة بذمة الزوج وحكاه في البحر عن عطاء والزهري والثوري والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي ومن جملة ما احتج به الأولون قوله تعالى: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } وأجاب الآخرون عن الأحاديث المذكورة بما سلف من إعلالها وأما ما في الصحيحين فهو من قول أبي هريرة كما وقع التصريح به منه حيث قال : إنه من كيسه بكسر الكاف : أي من استنباطه من المرفوع وقد وقع في رواية الأصيلي بفتح الكاف : أي من فطنته وأما قول عمر ، فليس مما يحتج به

وأجابوا عن الآية بأن ابن عباس وجماعة من التابعين قالوا : نزلت فيمن كان يطلق فإذا كادت العدة تنقضي راجع ويجاب عن ذلك أن الأحاديث المذكورة يقوي بعضها بعضا مع أنه لم يكن فيها قدح يوجب الضعف فضلا عن السقوط ، والآية المذكورة وإن كان سببها خاصا كما قيل فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأما استدلال الآخرين بقوله تعالى : { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } قالوا : وإذا أعسر ولم يجد سببا يمكنه به تحصيل النفقة فلا تكليف عليه بدلالة الآية

فيجاب عنه بأنا لم نكلفه النفقة حال إعساره ، بل دفعنا الضرر عن امرأته وخلصناها من حباله لتكتسب لنفسها أو يتزوجها رجل آخر واحتجوا أيضا بما في صحيح مسلم من حديث جابر أنه { دخل أبو بكر وعمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجداه حوله نساؤه واجما ساكتا وهن يسألنه النفقة ، فقام كل واحد [ ص: 386 ] منهما إلى ابنته ، أبو بكر إلى عائشة وعمر إلى حفصة ، فوجآ أعناقهما ، فاعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك شهرا } فضربهما لابنتيهما في حضرته صلى الله عليه وسلم لأجل مطالبتهما بالنفقة التي لا يجدها ، يدل على عدم التفرقة لمجرد الإعسار عنها ، قالوا : ولم يزل الصحابة فيهم الموسر والمعسر ومعسروهم أكثر

ويجاب عن الحديث المذكور بأن زجرهما عن المطالبة بما ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدل على عدم جواز الفسخ لأجل الإعسار ولم يروا أنهن طلبنه ولم يجبن إليه ، كيف وقد خيرهن صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فاخترنه ، وليس محل النزاع جواز المطالبة للمعسر بما ليس عنده وعدمها بل محله : هل يجوز الفسخ عند التعذر أم لا وقد أجيب عن هذا الحديث بأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم يعدمن النفقة بالكلية ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعاذ من الفقر المدقع ، ولعل ذلك إنما كان فيما زاد على قوام البدن مما يعتاد الناس النزاع في مثله ، وهكذا يجاب عن الاحتجاج بما كان عليه الصحابة من ضيق العيش

وظاهر الأدلة أنه يثبت الفسخ للمرأة بمجرد عدم وجدان الزوج لنفقتها بحيث يحصل عليها ضرر من ذلك وقيل : إنه يؤجل الزوج مدة ; فروي عن مالك أنه يؤجل شهرا ، وعن الشافعية ثلاثة أيام ولها الفسخ في أول اليوم الرابع وروي عن حماد أن الزوج يؤجل سنة ثم يفسخ قياسا على العنين وهل تحتاج المرأة إلى الرفع إلى الحاكم ؟ روي عن المالكية في وجه لهم أنها ترافعه إلى الحاكم ليجبره على الإنفاق أو يطلق عنه وفي وجه لهم آخر أنه ينفسخ النكاح بالإعسار ، لكن بشرط أن يثبت إعساره عند الحاكم والفسخ بعد ذلك إليها

وروي عن أحمد أنها إذا اختارت الفسخ رفعته إلى الحاكم والخيار إليه بين أن يجبره على الفسخ أو الطلاق وروي عن عبد الله بن الحسن العنبري أن الزوج إذا أعسر عن النفقة حبسه الحاكم حتى يجدها وهو في غاية الضعف ; لأن تحصيل الرزق غير مقدور له إذا كان ممن أعوزته المطالب وأكدت عليه جميع المكاسب ، اللهم إلا أن يتقاعد عن طلب أسباب الرزق والسعي له مع تمكنه من ذلك ، فلهذا القول وجه وذهب ابن حزم إلى أنه يجب على المرأة الموسرة الإنفاق على زوجها المعسر ولا ترجع عليه إذا أيسر وذهب ابن القيم إلى التفصيل وهو أنها إذا تزوجت به عالمة بإعساره أو كان حال الزوج موسرا ثم أعسر فلا فسخ لها ، وإن كان هو الذي غرها عند الزواج بأنه موسر ثم تبين لها إعساره كان لها الفسخ واعلم أنه لا فسخ لأجل الإعسار بالمهر على ما ذهب إليه الجمهور

وذهب بعض الشافعية وهو مروي عن أحمد إلى أنه يثبت الفسخ لأجل ذلك والظاهر الأول لعدم الدليل الدال على ذلك وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم { بأن النساء عوان في يد الأزواج } كما تقدم : أي حكمهن حكم الأسراء ; لأن العاني : الأسير ، والأسير لا يملك لنفسه خلاصا من [ ص: 387 ] دون رضا الذي هو في أسره فهكذا النساء ويؤيد هذا حديث { الطلاق لمن أمسك بالساق } فليس للزوجة تخليص نفسها من تحت زوجها إلا إذا دل الدليل على جواز ذلك كما في الإعسار عن النفقة ووجود العيب المسوغ للفسخ ، وهكذا إذا كانت المرأة تكره الزوج كراهة شديدة وقد قدمنا الخلاف في ذلك



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث