الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " لما بين يديها وما خلفها "

القول في تأويل قوله تعالى ( لما بين يديها وما خلفها )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك . فقال بعضهم بما : -

1154 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( لما بين يديها ) يقول : ليحذر من بعدهم عقوبتي . ( وما خلفها ) ، يقول : الذين كانوا بقوا معهم .

1155 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( لما بين يديها وما خلفها ) ، لما خلا لهم من الذنوب ، ( وما خلفها ) ، أي عبرة لمن بقي من الناس .

[ ص: 178 ] وقال آخرون بما :

1156 - حدثني ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال : قال ابن عباس : ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) ، أي من القرى .

وقال آخرون بما : -

1157 - حدثنا به بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال الله ( فجعلناها نكالا لما بين يديها ) - من ذنوب القوم - ( وما خلفها ) ، أي للحيتان التي أصابوا .

1158 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( لما بين يديها ) ، من ذنوبها ، ( وما خلفها ) ، من الحيتان .

1159 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : ( لما بين يديها ) ، ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به .

1160 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( نكالا لما بين يديها وما خلفها ) ، يقول : " بين يديها " ، ما مضى من خطاياهم ، ( وما خلفها ) خطاياهم التي هلكوا بها .

1161 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله - إلا أنه قال : ( وما خلفها ) ، خطيئتهم التي هلكوا بها .

وقال آخرون بما : -

1162 - حدثني به موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) قال : أما " ما بين يديها " فما سلف من عملهم ، ( وما خلفها ) ، فمن كان بعدهم من الأمم ، أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك .

[ ص: 179 ] وقال آخرون بما : -

1163 - حدثني به ابن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ، ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) ، يعني الحيتان ، جعلها نكالا " لما بين يديها وما خلفها " ، من الذنوب التي عملوا قبل الحيتان ، وما عملوا بعد الحيتان . فذلك قوله : ( ما بين يديها وما خلفها ) .

قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية ، ما رواه الضحاك عن ابن عباس . وذلك لما وصفنا من أن " الهاء والألف " - في قوله : ( فجعلناها نكالا ) - بأن تكون من ذكر العقوبة والمسخة التي مسخها القوم ، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها . من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذر خلقه بأسه وسطوته ، بذلك يخوفهم . وفي إبانته عز ذكره - بقوله : ( نكالا ) : أنه عنى به العقوبة التي أحلها بالقوم - ما يعلم أنه عنى بقوله : ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) ، فجعلنا عقوبتنا التي أحللناها بهم عقوبة لما بين يديها وما خلفها - دون غيره من المعاني . وإذ كانت " الهاء والألف " - بأن تكون من ذكر المسخة والعقوبة ، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها ; فكذلك العائد في قوله : ( لما بين يديها وما خلفها ) من " الهاء والألف " : أن يكون من ذكر " الهاء والألف " اللتين في قوله : ( فجعلناها ) ، أولى من أن يكون من ذكر غيره .

فتأويل الكلام - إذ كان الأمر على ما وصفنا - : فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم ، بمسخنا إياهم وعقوبتنا لهم - ولما خلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم : أن يعمل بها عامل ، [ ص: 180 ] فيمسخوا مثل ما مسخوا ، وأن يحل بهم مثل الذي حل بهم ، تحذيرا من الله تعالى ذكره عباده : أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتى الممسوخون ، فيعاقبوا عقوبتهم .

وأما الذي قال في تأويل ذلك : ( فجعلناها ) ، يعني الحيتان ، عقوبة لما بين يدي الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم - فإنه أبعد في الانتزاع . وذلك أن الحيتان لم يجر لها ذكر فيقال : ( فجعلناها ) . فإن ظن ظان أن ذلك جائز - وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر - لأن العرب قد تكني عن الاسم ولم يجر له ذكر ، فإن ذلك وإن كان كذلك ، فغير جائز أن يترك المفهوم من ظاهر الكتاب - والمعقول به ظاهر في الخطاب والتنزيل - إلى باطن لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ، ولا فيه من الحجة إجماع مستفيض .

وأما تأويل من تأول ذلك : لما بين يديها من القرى وما خلفها ، فينظر إلى تأويل من تأول ذلك : بما بين يدي الحيتان وما خلفها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث