الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم

جزء التالي صفحة
السابق

باب قول الله تعالى والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم

2170 حدثنا الصلت بن محمد حدثنا أبو أسامة عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ولكل جعلنا موالي قال ورثة والذين عاقدت أيمانكم قال كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت ثم قال والذين عاقدت أيمانكم إلا النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له [ ص: 548 ] [ ص: 549 ]

التالي السابق


[ ص: 548 ] [ ص: 549 ] قوله : ( باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها ) ذكر الديون بعد القرض من عطف العام على الخاص والمراد بغير الأبدان الأموال .

قوله : ( وقال أبو الزناد . . . إلخ ) هو مختصر من قصة أخرجها الطحاوي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد " حدثني أبي ، حدثني محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب بعثه للصدقة ، فإذا رجل يقول لامرأة : صدقي مال مولاك ، وإذا المرأة تقول : بل أنت صدق مال ابنك ، فسألحمزة عن أمرهما فأخبر أن ذلك الرجل تزوج تلك المرأة وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدا فأعتقته امرأته ، ثم ورث من أمه مالا فقال حمزة للرجل : لأرجمنك ، فقال له أهل الماء : إن أمره رفع إلى عمر فجلده مائة ولم ير عليه رجما . قال : فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى قدم على عمر فسأله فصدقهم عمر بذلك مع قولهم " وإنما درأ عمر عنه الرجم ؛ لأنه عذره بالجهالة ، واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان فإن حمزة بن عمرو الأسلمي صحابي وقد فعله ولم ينكر عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذ ، وأما جلد عمر للرجل فالظاهر أنه عزره بذلك قاله ابن التين . قال : وفيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد . وتعقب بأنه فعل صحابي عارضه مرفوع صحيح فلا حجة فيه وأيضا فليس فيه التصريح بأنه جلده ذلك تعزيرا ، فلعل مذهب عمر أن الزاني المحصن إن كان عالما رجم وإن كان جاهلا جلد .

قوله : ( وقال جرير ) أي : ابن عبد الله البجلي ( والأشعث ) أي : ابن قيس الكندي ( لعبد الله بن مسعود في المرتدين : استتبهم وكفلهم ، فتابوا وكفلهم عشائرهم ) وهذا أيضا مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال : صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود ، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة فسمع مؤذن عبد الله بن النواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله ، فقال عبد الله : علي بابن النواحة وأصحابه ، فجيء بهم . فأمر قرظة بن كعب فضرب عنق ابن النواحة ، ثم استشار الناس في أولئك النفر فأشار عليه عدي بن حاتم بقتلهم ، فقام جرير والأشعث فقالا : بل استتبهم وكفلهم عشائرهم ، فتابوا وكفلهم عشائرهم . وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانت مائة وسبعين رجلا ، قال ابن المنير : أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى ، والكفالة بالنفس قال بها الجمهور ولم يختلف من قال بها أن المكفول بحد أو قصاص إذا غاب أو مات أن لا حد على الكفيل بخلاف الدين ، والفرق بينهما أن الكفيل إذا أدى المال وجب له على صاحب المال مثله .

[ ص: 550 ] ( تنبيه ) : وقع في أكثر الروايات في هذا الأثر " فتابوا " من التوبة ، ووقع في رواية الأصيلي والقابسي وعبدوس " فأبوا " بغير مثناة قبل الألف ، قال عياض : وهو وهم مفسد للمعنى . قلت : والذي يظهر لي أنه " فآبوا " بهمزة ممدودة وهي بمعنى فرجعوا فلا يفسد المعنى .

قوله : ( وقال حماد ) أي : ابن أبي سليمان ( إذا تكفل بنفس فمات فلا شيء عليه ، وقال الحكم يضمن ) وصله الأثرم من طريق شعبة عن حماد والحكم وبذلك قال الجمهور ، وعن ابن القاسم صاحب مالك يفصل بين الدين الحال والمؤجل فيغرم في الحال ويفصل في المؤجل بين ما إذا كان لو قدم لأدركه أم لا .

قوله : ( وقال الليث حدثني جعفر بن ربيعة . . . إلخ ) وقع هنا في نسخة الصغاني " حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث " وقد تقدم في " باب التجارة في البحر " أن أبا ذر وأبا الوقت وصلاه في آخره ، قال البخاري : " حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث به " ووصله أبو ذر هنا من روايته عن شيخه علي بن وصيف " حدثنا محمد بن غسان حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني حدثنا عبد الله بن صالح به " وكذلك وصله بهذا الإسناد في " باب ما يستخرج من البحر " من كتاب الزكاة ، ولم ينفرد عبد الله بن صالح فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي وآدم بن أبي إياس ، والنسائي من طريق داود بن منصور كلهم عن الليث ، وأخرجه الإمام أحمد عن يونس بن محمد عن الليث أيضا ، وله طريق أخرى عن أبي هريرة علقها المصنف في كتاب الاستئذان من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ، ووصلها في " الأدب المفرد " وابن حبان في صحيحه من هذا الوجه .

قوله : ( أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ) في رواية أبي سلمة : " أن رجلا من بني إسرائيل كان يسلف الناس إذا أتاه الرجل بكفيل " ولم أقف على اسم هذا الرجل ، لكن رأيت في " مسند الصحابة الذين نزلوا مصر " لمحمد بن الربيع الجيزي بإسناد له فيه مجهول عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه : " أن رجلا جاء إلى النجاشي فقال له : أسلفني ألف دينار إلى أجل ، فقال : من الحميل بك ؟ قال : الله ، فأعطاه الألف ، فضرب بها الرجل - أي : سافر بها - في تجارة ، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه فحبسته الريح ، فعمل تابوتا " فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة ، واستفدنا منه أن الذي أقرض هو النجاشي ، فيجوز أن تكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع لهم لا أنه من نسلهم .

قوله : ( قال : فأتني بالكفيل ، قال : كفى بالله كفيلا ، قال : صدقت ) في رواية أبي سلمة فقال : " سبحان الله ، نعم " .

قوله : ( فدفعها إليه ) أي : الألف دينار ، في رواية أبي سلمة فعد له ستمائة دينار ، والأول أرجح لموافقة حديث عبد الله بن عمرو ، ويمكن الجمع بينهما باختلاف العدد والوزن فيكون الوزن مثلا ألفا والعدد ستمائة أو بالعكس .

قوله : ( فخرج في البحر فقضى حاجته ) في رواية أبي سلمة فركب الرجل البحر بالمال يتجر فيه فقدر الله أن حل الأجل وارتج البحر بينهما .

قوله : ( فلم يجد مركبا ) زاد في رواية أبي سلمة : " وغدا رب المال إلى الساحل يسأل عنه ويقول : اللهم اخلفني وإنما أعطيت لك " .

[ ص: 551 ] قوله : ( فأخذ خشبة فنقرها ) أي : حفرها ، وفي رواية أبي سلمة : " فنجر خشبة " وفي حديث عبد الله بن عمرو : " فعمل تابوتا وجعل فيه الألف " .

قوله : ( وصحيفة منه إلى صاحبه ) في رواية أبي سلمة : " وكتب إليه صحيفة : من فلان إلى فلان ، إني دفعت مالك إلى وكيلي الذي توكل بي " .

قوله : ( ثم زجج موضعها ) كذا للجميع بزاي وجيمين ، قال الخطابي : أي : سوى موضع النقر وأصلحه ، وهو من تزجيج الحواجب وهو حذف زوائد الشعر ، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الزج وهو النصل كأن يكون النقر في طرف الخشبة فشد عليه زجا ليمسكه ويحفظ ما فيه ، وقال عياض : معناه سمرها بمسامير كالزج ، أو حشى شقوق لصاقها بشيء ورقعه بالزج ، وقال ابن التين : معناه أصلح موضع النقر .

قوله : ( تسلفت فلانا ) كذا وقع فيه ، والمعروف تعديته بحرف الجر ، كما وقع في رواية الإسماعيلي : " استسلفت من فلان " .

قوله : ( فرضي بذلك ) كذا للكشميهني ، ولغيره : " فرضي به " وفي رواية الإسماعيلي : " فرضي بك " قوله : ( وإني جهدت ) بفتح الجيم والهاء ، وزاد في حديث عبد الله بن عمرو : " فقال : اللهم أد حمالتك " .

قوله : ( حتى ولجت فيه ) بتخفيف اللام أي : دخلت في البحر .

قوله : ( فأخذها لأهله حطبا فلما نشرها ) أي : قطعها بالمنشار ( وجد المال ) في رواية النسائي " فلما كسرها " وفي رواية أبي سلمة : " وغدا رب المال يسأل عن صاحبه كما كان يسأل فيجد الخشبة فيحملها إلى أهله فقال : أوقدوا هذه ، فكسروها فانتثرت الدنانير منها والصحيفة ، فقرأها وعرف " .

قوله : ( ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار ) وفي رواية أبي سلمة : " ثم قدم بعد ذلك فأتاه رب المال ، فقال : يا فلان مالي قد طالت النظرة ، فقال : أما مالك فقد دفعته إلى وكيلي ، وأما أنت فهذا مالك " وفي حديث عبد الله بن عمرو أنه قال له : " هذه ألفك ، فقال النجاشي : لا أقبلها منك حتى تخبرني ما صنعت ، فأخبره فقال : لقد أدى الله عنك " قوله : ( وانصرف بالألف الدينار راشدا ) في حديث عبد الله بن عمرو : " قد أدى الله عنك ، وقد بلغنا الألف في التابوت ، فأمسك عليك ألفك " زاد أبو سلمة في آخره : " قال أبو هريرة ولقد رأيتنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر مراؤنا ولغطنا ، أيهما آمن " ؟ وفي الحديث جواز الأجل في القرض ووجوب الوفاء به ، وقيل : لا يجب بل هو من باب المعروف ، وفيه التحدث عما كان في بني إسرائيل وغيرهم من العجائب للاتعاظ والائتساء ، وفيه التجارة في البحر وجواز ركوبه ، وفيه بداءة الكاتب بنفسه ، وفيه طلب الشهود في الدين وطلب الكفيل به ، وفيه فضل التوكل على الله وأن من صح توكله تكفل الله بنصره وعونه ، وسيأتي حكم أخذ ما لقطه البحر في كتاب اللقطة ، إن شاء الله تعالى . ووجه الدلالة منه على الكفالة تحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك وتقريره له ، وإنما ذكر ذلك ليتأسى به فيه وإلا لم يكن لذكره فائدة .

[ ص: 552 ] قوله : ( باب قول الله - عز وجل - : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) أورد فيه حديث ابن عباس الآتي في تفسير سورة النساء بسنده ومتنه ، وسيأتي الكلام عليه هناك ، والمقصود منه هنا الإشارة إلى أنالكفالة التزام مال بغير عوض تطوعا ، فيلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي عقد على وجه التطوع ، وروى أبو داود في الناسخ من طريق يزيد النحوي عن عكرمة في هذه الآية : كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب ، فيرث أحدهما الآخر ، فنسخ ذلك قوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ثم أورد المصنف حديث أنس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع " وهو مختصر من حديث طويل تقدم في البيوع ، وغرضه إثبات الحلف في الإسلام ، ثم أورد حديث أنس أيضا في إثبات الحلف في الإسلام .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث