الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشفاعة في الحدود

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2369 ] 3613 - وشعب الإيمان ومعالم السنن عن أبي أمية ، وفي نسخ المصابيح عن أبي رمثة بالراء والثاء المثلثة بدل الهمزة والياء .

التالي السابق


3613 - ( وشعب الإيمان ) أي البيهقي ( ومعالم السنن ) أي للخطابي ( عن أبي أمية ) بالتصغير ( وفي نسخ المصابيح عن أبي رمثة بالراء ) أي المكسورة قبل ميم ساكنة ( والثاء المثلثة بدل الهمزة والياء ) أي في صورة الخط ما قطع النظر عن الشكل وفيه لف ونشر مرتب ثم اعلم أن هذا الباب خال عن الفصل الثالث ولم يبينه المؤلف لعدم احتياجه بناء على عدم التزامه وفيه أنه بقي من الأحاديث المتعلقة بأصل الباب المهم علمه في الكتاب ما ورد في رد المسروق عند وجوده وضمان السارق عند فقده بعد قطعه وأنا أذكر لك المسألة واختلاف العلماء فيها مع الأدلة ففي الهداية : وإذا قطع السارق والعين قائمة في يده ردت على صاحبها لبقائها على ملكه وإن كانت مستهلكة لم تضمن ، قال ابن الهمام : وهذا الإطلاق يشمل الهلاك والاستهلاك ; لأنه لما لم يضمن بالاستهلاك وله فيه جناية ثابتة فلأن لا يضمن بالهلاك ولا جناية أخرى له فيه أولى وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة وهو المشهور وبه قال سفيان الثوري وعطاء والشعبي ومكحول وابن شبرمة وابن سيرين وروى الحسن عنه أنه يضمن في الاستهلاك وقال الشافعي : يضمن فيهما أي في الهلاك والاستهلاك ، وهو قول أحمد والحسن والنخعي والليث وإسحاق وحماد وقال مالك : إن كان السارق موسرا ضمن وإن كان معسرا لا ضمان عليه نظرا للجانبين ، ولا خلاف إن كان باقيا أنه يرد على المالك وكذا إذا باعه أو وهبه يؤخذ من المشتري والموهوب له وهذا كله بعد القطع ولو قال المالك قبله : أنا أضمنه لم يقطع عندنا فإنه يتضمن رجوعه عن دعوى السرقة إلى دعوى المال وجه قولهم عموم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وعلى اليد ما أخذت حتى ترد ولأنه أتلف مالا مملوكا عدوانيا فيضمنه قياسا على الغصب والمانع إنما هو المنافاة بين حقي القطع والضمان ولا منافاة لأنهما حقان بسببين مختلفين أحدهما حق الله تعالى وهو النهي عن هذه الجناية الخاصة والآخر حق الضرر فيقطع حق الله ويضمن حق العبد وصار كاستهلاك صيد مملوك في الحرم يجب الجزاء حقا لله ويضمنه حقا للعبد ، ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فيما روى النسائي عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن يزيد قال : سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد ، ولفظ الدارقطني : لا غرم على السارق بعد قطع يمينه وضعف فإن المسور بن إبراهيم لم يلق عبد الرحمن بن عوف وهو جده فإنه المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن إبراهيم مجهول وفيه انقطاع آخر فإن إسحاق بن الفرات رواه عن المفضل فأدخل بين يونس بن يزيد وسعد بن إبراهيم الزهري ، وقال المنذر : سعد بن إبراهيم هذا مجهول ، وقيل : إنه الزهري قاضي المدينة وهو أحد الثقات الأثبات وعندنا الإرسال غير قادح بعد ثقة الراوي وأمانته ، وذلك الساقط إن كان قد ظهر أنه الزهري فقد عرف وبطل القدح به وما قال ابن قدامة : أنه يحمل غرم السارق على أجرة القاطع مدفوع برواية البزار ، لا يضمن السارق سرقته بعد إقامة الحد ، وفي المبسوط روى هشام عن محمد أنه إنما يسقط الضمان عن السارق قضاء لتعذر الحكم بالمماثلة وأما ديانة فيفتى بالضمان للحوق الخسران والنقصان للمالك من جهة السارق وفي الإيضاح قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : لا يحل للسارق الانتفاع به بوجه من الوجوه ; لأن الثوب على ملك المسروق منه كذا لو خاط قميصا لا يحل له الانتفاع لأنه ملكه بوجه محظور وقد تقرر إيجاب القضاء به كمن دخل دار الحرب بأمان وأخذ شيئا من أموالهم لم يلزمه الرد قضاء ، ويلزمه ديانة كالباغي إذا أتلف مال العادل ثم تاب لم يحكم عليه بالضمان لتعذر إيجاب الضمان بعارض ظهر أثره في حق الحكم ، وأما ديانة فيعتبر قضية السبب والله تعالى أعلم بالصواب .

باب حد الخمر قال الطيبي : الخمر ستر الشيء ويقال لما يستر به خمار والخمر سمي به لكونه خامرا لمقر العقل وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر اه . وسيأتي بيانه عند باب بيان الخمر إن شاء الله تعالى .

[ ص: 2370 ] روى الترمذي عن علي بن أبي طالب : " صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا ، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت : " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون " . قال : فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قال ابن الهمام : ولو ارتد السكران لا تبين امرأته ; لأن الكفر من باب الاعتقاد أو الاستخفاف ولذا حكم بكفر الهازل مع اعتقاده لما يقول ولا اعتقاد للسكران ولا استخفاف لأنهما فرع قيام الإدراك ، والأظهر أن قراءة علي إنما وقعت سهوا لا قصدا والله تعالى أعلم ، واعلم أن المسائل المتعلقة بالباب أن شارب الخمر إن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد وكذا إذا شهد عليه بعدما ذهب ريحها أو ذهب من غيرها ، وأما التقادم فيمنع قبول الشهادة بالاتفاق ولا يحد السكران حتى يزول عنه السكر تحصيلا لمقصود الانزجار ، وهذا بإجماع الأئمة الأربعة ; لأن غيبوبة العقل أو غلبة الطرب والترح تخفف الألم ، قال ابن الهمام : روى عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن يحيى بن عبد الله التيمي الجائز عن أبي ماجد الحنفي قال : جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود ، فقال عبد الله : ترتروه ومزمزوه واستنكهوه ففعلوا فدفعه إلى السجن ثم دعا به من الغد ، فدعا بسوط ثم أمر به فدقت ثمرته بين حجرين حتى صارت درة ، ثم قال للجلاد : اجلد وارفع يدك وأعط كل عضو حقه . ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني ورواه إسحاق ابن راهويه أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن يحيى بن عبد الله الجائز والترترة والمزمزة التحريك بعنف وإنما فعله ; لأن التحريك يظهر الرائحة من المعدة التي كانت خفيت وكان ذلك مذهبه ويدل عليه ما في الصحيحين عن ابن مسعود قرأ سورة يوسف فقال رجل : ما هكذا أنزلت فقال عبد الله : والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحسنت . فبينما هو يكلمه إذ وجد منه رائحة الخمر فقال : أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب فضربه الحد ، وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلا وجد منه ريح الخمر وفي لفظ ريح شراب ، والحاصل أن حده عند وجود الريح عند عدم البينة والإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أحدهما ثم هو مذهب لبعض منهم مالك وقول للشافعي ورواية عن أحمد والأصح عن الشافعي وأكثر أهل العلم نفيه وما ذكرنا عن عمر يعارض ما ذكر عنه أنه عزر من وجد منه الرائحة ويترجح لأنه أصح وإن قال ابن المنذر : ثبت عن عمر أنه جلد من وجد منه ريح الخمر الحد تاما وقد استبعد بعض أهل العلم حديث ابن مسعود من جهة المعنى وهو أن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا أن يرد ويدرأ ما استطيع فكيف يأمر ابن مسعود بالمزمزة عند عدم الرائحة ليظهر الريح فيحده .

فإن صح فتأويله أنه كان رجلا مولعا بالشراب مدمنا فاستجاز ذلك فيه ، قال صاحب الهداية : ولا حد على من وجد به ريح الخمر ; لأن الرائحة محتملة فلا تثبت مع الاحتمال ما يندرئ بالشبهات قال : الشاعر :


يقولون لي أنكه شربت مدامة فقلت لا بل أكلت السفرجلا

وأنكه بوزن أمنع ونكه من بابه أي أظهر رائحة فمه وقال الآخر :


سفرجلة تحكي ثدي الفراهد     لها عرف ذي فسق وصفرة زاهد

الفصل الأول



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث