الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الركن الثالث الواجب فيه

جزء التالي صفحة
السابق

الفرع السادس : في الجواهر : لا يضمن خمر الذمي ، ولا ما نقصت الملاهي بكسرها وتغييرها عن حالها ، وقاله الأئمة [ ص: 281 ] الفرع السابع : قال : منفعة الأعيان لا تضمن بالفوات تحت اليد العادية عند ابن القاسم ، وقال أشهب وغيره : عليه الكراء إذا غلق الدار ، وبور الأرض ، ولم يستخدم العبد ، ووقف الدابة ، وقال ابن حبيب : إذا باع الغاصب أو وهب غرم الغلة التي اغتل المشتري والموهوب ، فإن يغرم ما حرم ربها من تلك الغلات بغصبه ; لأنه المستهلك ، ووافق ابن القاسم ( ح ) ، وأشهب ( ش ) ، وابن حنبل ، وأصل الفرع : أن المنافع هل هي مال في نفسها فتضمن بالفوات ، أو لا تكون مالا إلا بعقد أو شبهة عقد كالإجارة الفاسدة فإن فيها أجرة المثل ، فلا تضمن بالفوات ، ونقض ( ش ) أصله بمنافع الحر .

لنا : قوله - عليه السلام - : ( الخراج بالضمان ) ، والأعيان مضمونة فتكون منافعها للضمان فلا يضمنها وهو المطلوب ، والحديث وإن كان إنما ورد في الرد بالعيب ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والقياس على فوات منافع بضع الأمة إذا حبسها عن التزويج ، وعلى منافع الحر ، وفرق ( ش ) بأن منافع الحر تحت يده ; لأنه صاحب يد فلا تتحقق يد الغاصب بخلاف العقار والحيوان البهيم لا يد فقبلت منافعه يد الغاصب ، ويدلنا على المنافع أنها ليست مالا : خمسة أوجه : أحدها : لا تقوم على المفلس ، وثانيها : لا تجب فيها الزكاة ، وثالثها : لو توانى الوصي في عقار اليتامى لم يؤجره لم يضمن ، ولو تسبب أو أهمل شيئا من ماله ضمنه ، ورابعها : على أصلهم ، لو قال : خذ هذه الحنطة فازرعها لنفسك ، ضمنت الحنطة دون المنفعة ، وخامسها : أن المريض إذا أهمل دوره أو عبيده في مرض موته ، لا يقوم عليه ذلك في الثلث ، ولأن الضمان يتعلق بالإتلاف ، والمنافع قبل وجودها يستحيل إتلافها لأنها معدومة ، وبعد وجودها لا [ ص: 282 ] تبقى لأنها أعراض لا تبقى زمانين فهي تنعدم بنفسها فيتصور فيها التلف لا الإتلاف ; لأن الإتلاف قطع البقاء ، ولا بقاء فلا إتلاف ، بخلاف الأعيان فإنها باقية ، ويخالف ذلك الضمان في الإجارة ; لأنه ضمان بشرط ، لا ضمان إتلاف ، وبخلاف بطش اليد ، ومشي الرجل ، ومنافع الأعضاء ; لأنه عندنا ضمان الأعيان القائمة لا الأعراض الفانية ، ومنافع البضع لأنها عندنا في حكم الأجزاء ، ولا يلزمنا غاصب السكنى دون الرقبة فإنه يضمنها ; لأنها مستغلة . وكلامنا في البائع لأصل مضمون ، ولا ما إذا غصب ثوبا ففتقه وأخرج خيوطه ; لأنه من باب تغيير العين لا من باب المنافع ، ولأن القابض للسوم يضمن العين دون منفعتها ، فعلم أنه لا يجتمع ضمان العين والمنفعة لمالك واحد ، وبهذه النكتة تندفع النقوض . احتجوا على أن المنافع أموال : بأنها تملك بالإرث والوصية ، ولأن الوصي يجوز له بذل مال اليتيم فيها ، ولأنها مال تملك بالإرث والوصية ، ولأن الوصي يجوز له بذل مال اليتيم فيها ، ولأنها مال بالعقد ، والعقد لا يصير ما ليس بمال مالا ، بل صحته متوقفة على المالية ، فلو توقفت المالية لزم الدور ، ولأنها يدخلها الإذن والإباحة كسائر الأموال ، ولقوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " والقيمة مثل في المالية ، فيجب توفية بالنص بحسب الإمكان ، ولأنها تضمن بالعقد وشبهة العقد ، فتضمن بالإتلاف كالأعيان ، ولأن العين إنما تضمن لتضمنها المنافع ; لأن ما لا منفعة فيه لا يضمن ، فإذا كانت هي أصل الضمان فهي أولى أن تضمن ، والجواب عن الأول والثاني والثالث والرابع : النقض بمنفعة البضع ، فإنها تجري مجرى المال في الضمان بالمسمى في العقد الصحيح ، وبالمثل في العقد الفاسد ، ومع ذلك فلا تضمن بالغصب ، وعن الخامس : أنها واردة في الدماء ; لأنها نزلت في قصة أحد لما مثل المشركون بالمسلمين ، قال المسلمون : لنمثلن بهم مثلة ما سمعت في العرب فنزلت الآية ، ولأن قوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم " وهو ظاهر في نفوسنا دون أموالنا فلا حجة فيها ، وعن السادس : نقضه بمنفعة البضع ، فإنه يضمن بالمسمى في العقد [ ص: 283 ] الصحيح ، وبالمثل في الفاسد ، ولو غصب أمة أو حبس حرة وماتت في يده لم يجب ضمان بضعها ، وبالحربي يضمن مال المسلم المسمى في العقد الصحيح ، ولا يضمن من غير عقد ولا شبهة ، وبالبضع يضمنه الزوج بالمسمى في العقد ، والمرأة تضمنه بالمسمى في الخلع ، ولا يضمنه بالردة بعد الدخول ، وعن السابع : أن المنافع هي سبب صيرورة الأعيان بسبب الضمان عند الإتلاف ، وسبب السبب للشيء لا يلزم أن يكون سبب الشيء ; لأن الأعضاء سبب الطاعة ، والطاعة سبب دخول الجنة ، والأعضاء ليست سبب الجزاء بالجنة ; لأنها ليست من كسب العبد ، وما ليس من كسبه لا يجازى عليه ، وكذلك العقل سبب الإيمان والمعارف والعلوم ، وهي سبب الجزاء بالسعادة الدائمة ، وهو لا يكون سبب الجزاء ; لكونه ليس من كسبه ، والصحيح من أصول الفقه عدم التعليل بالحكمة مع أنها سبب علية العلة ، ونظائره كثيرة .

الفرع الثامن : زوائد العين المغصوبة في يد الغاصب كالسمن وتعلم الصنعة وعلو القيمة ، ثم يذهب ذلك ، لا يضمنه الغاصب ، وتأخذ سلعتك ، ولا شيء لك ، وكذلك الولد بخلاف ما كان عند الغصب ، وقال ( ح ) : خلافا لـ ( ش ) ، وابن حنبل ، وأصل المسألة : أن الغصب هل هو إثبات اليد العادية وهي موجودة فيضمن ، أو إثباتها مع رفع اليد المحقة ، ولم ترفع عن الزوائد يدا محقة فلا يضمن .

لنا : أنه حصل في يده بغير شبهة فلم يضمنه قياسا على الثوب تلقيه الريح في بيته أو حجر إذا قعد في الطريق عدوانا وهو يكتسب ، احتجوا : بأن اليد تثبت على الولد وغيره تبعا لأن اليد في كل شيء على جنسه عادة كما تثبت يد المشتري وغيره على ولد الأمة تبعا في سائر العقود ، وقياسا على الزيادة الحاصلة عند الغصب ، ولأنه غاصب في الاستمرار كما هو غاصب ابتداء بدليل الحقيقة والحكم والاسم ، [ ص: 284 ] أما الحقيقة : فالغصب للاستيلاء على ملك الغير قهرا وعدوانا ، وهذه الحقيقة مستمرة بالتفسيق والضمان والعقوبة ابتداء ودواما ، وأما الاسم فهو يسمى غاصبا انتهاء وابتداء ، ولأنها إذا تلفت تقوم حاملا وسمينة وغير ذلك ، ولولا ثبوت اليد والضمان لم تقوم بذلك ، ولأنه إنما حدث عن أصل مضمون بيد عادية فيضمن كنماء الصيد في حق المحرم ، فإنه إذا سمن الصيد عنده أو حمل ، ثم مات الولد أو هزل فإنه يضمنه ، وكلاهما مأمور بالترك في كل وقت ، ولأن هذه الأشياء تحت يده فيضمنها كأصولها ، والجواب عن الأول : الفرق بين العقود تشترى للزوائد تبعا أنها تتناول الملك ، والغصب لا يتناول الملك إنما يسري للمنع والعقود تقتضي المنع والملك فكانت أقوى ، فلذلك امتنعت الزوائد ، وعن الثاني : الفرق بأنها تتناولها بعد الغصب ، ولم يتجدد فعل عند حدوث هذه حتى يتناولها ، وعن الثالث : أن الغصب حقيقة كالسرقة والشراء وغيرها ، فكما أن السارق لا يعد سارقا بما في يده في كل زمان مضى عليه ، وإلا لثبت الحد عليه بعد سقوطه ، كما إذا سرق دون النصاب ، ثم صار نصابا بزيادة القيمة في يده ، والمشتري لا يعد مشتريا في كل زمان ; بدليل أن أهلية العقد قد تنفك عنه بالجنون وغيره ، فكذلك الغاصب ، فإن قيل : الغصب فعل واستدامة الفعل فعل . كمن حلف لا يلبس ثوبا وهو لابس فإنه يحنث ، والشراء قول ، واستدامة القول ليست قولا . قلنا : يبطل بالسرقة والاصطياد والاحتشاش ، ولا يسمى صائدا ; لأنه قد يصير محرما فلا يلزمه جزاء . ولا محتشا ; لأنه قد تذهب قدرته ولا فعل مع القدرة فتبطل الحقيقة والاسم والحكم إلا ما أجمعنا عليه ، فهو بالإجماع لا [ ص: 285 ] بما ذكرتموه ، وعن الرابع : منع الحكم ، بل القيمة يوم الغصب ، وعن الخامس : منع الحكم أيضا ، وقولكم : إنه مأمور بالرد ، ففي الأصل دون الزيادة ، كمن غصب درهما وبيده درهما لصاحبه وديعة ، فإنه مأمور بالرد ولا يتمكن إلا برد الجميع .

الفرع التاسع : العقار عندنا يضمن بالغصب ، وكذلك الأشجار من النخيل وغيرها إذا تلفت بصنعة أو بغير صنعة . وقاله ( ش ) ، وابن حنبل . وقال ( ح ) : لا يضمن بالغصب . وأصل المسألة : أن الغصب عندنا الاستيلاء على مال الغير عدوانا ، وعنده لا بد مع ذلك من النقل ، وهو متعذر في العقار ، وهذا الفرع وإن لم يكن من المتردد بين المالية وعدمها لكنه مما يختص بهذا الركن ; لكونه مما يجب فيه .

لنا : قوله تعالى : " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس " وهذا ظالم فعليه كل سبيل ; لأن الألف واللام للعموم ، ولقوله - عليه السلام - : ( من غصب شبرا من الأرض ) الحديث ، فسماه غاصبا ، ولأن العادة أن يقول القائل : غصبني أرضي . والأصل في الاستعمال : الحقيقة ، ولأن الغصب الحيلولة وقد وجد في العقار كالمنقول ، ولأن انتقال ضمانها للمشتري بالقبض فتكون قابلة لوضع اليد ، فإذا كانت عدوانا فهو الغصب ، وكذلك في الهبة والوصية والرهن ، وبجعل رأس مال السلم وهو يستدعي انتقالا في الأيدي والأملاك ، وإلا بطل السلم ، ولأنه يجري فيه ضمان الرجوع عن الشهادة ، وضمان الجحود في الوديعة ، وضمان القبض بالشراء الفاسد . وهو قبض عدواني ، ولأن الضمان لا يتوقف على النقل ; لأن الملتقط إن أخذ لنفسه ضمن ، أو للتعريف لا يضمن ، والصورة واحدة وإنما نشأ الضمان عن القصد ، وكذلك حائز الوديعة لم ينتقلها ، ولأنه يضمن بالعقود فيضمن بالغصب كالمنقول ، أو نقول : يضمن [ ص: 286 ] بالإتلاف فيضمن بالغصب كالمنقول ، احتجوا : بأنه منع المالك من ملكه بغير نقل ، فلا يضمن كما لو حبسه حتى هلك ماله ، ولم يكن يعرض لماله ، والعقار لا يتحقق فيه إلا الحيلولة بين المالك وبينه . ولو أنه دخل دارا يظنها داره لم يضمنها مع أنه وضع يده واستولى عليها ، ولو نقل شيئا من هذه الدار ضمنه ، فعلم أن سبب الضمان النقل ; ولأن موضع الإجماع في الغصب حيث وجد وضع اليد عدوانا مع النقل ، وهو أتم من وضع اليد من غير نقل ; لأن النقل يوجب التعرض للتلف ، والقاصر عن موضع الإجماع لا يلحق به ، ولأنه لا تصح سرقته فلا يصح غصبه كالحر ، أو لأنه يمكن نقله فلا يمكن غصبه كمنعه البضع ، والجواب عن الأول : أن حبسه عن متاعه وزانه حبسه حتى انهدمت داره من غير تعرض للدار ولا تسبب ، وأما في صورة النزاع : فاستولى وقصد العقار بوضع اليد والاستيلاء وفعل ذلك فيضمن كالمنقول ، وعن الثاني : أن قصور صورة النزاع عن صورة الإجماع ( لا يمنع من لحوقها بموضع الإجماع ) ; لدلالة الدليل على أن السبب هو المشترك بينهما بدليل خمر الوديعة وما ذكر معها ، فإنه لم يتحقق هناك نقل مع صورة الضمان . وعن الثالث : أن الحر عندنا تصح سرقته إذا كان صغيرا أو نائما ، ثم الفرق : أن الحر ليس بمال ، والعقار مال ، ومن وجه آخر : السرقة لا بد فيها من الإخراج من الحرز ، وهو متعذر في العقار ، والغصب الاستيلاء عدوانا ، وهو متيسر فيه ، وعن الرابع : الفرق : أن منفعة البضع ليس بمال ، بدليل أنها لا تستباح بالإباحة ، ولا يملك بالإذن والوصية ، ثم نقول : كما استوت المنقولات في النقل واختلفت في ضمان الغصب فتضمن الأمة القن دون أم الولد عندكم ; ليستوي البضع والعقار في عدم النقل ، ويختلفان في الغصب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث