الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فإذا اختلف اجتهاد رجلين ، لم يتبع أحدهما صاحبه ، ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه ، وإذا صلى البصير في حضر ، فأخطأ ، أو صلى الأعمى بلا دليل ، أعادا ، فإن لم يجد الأعمى من يقلده صلى ، وفي الإعادة وجهان ، وقال ابن حامد : إن أخطأ أعاد ، وإن أصاب فعلى وجهين ، ومن صلى بالاجتهاد ثم علم أنه أخطأ القبلة فلا إعادة عليه ، فإن أراد صلاة أخرى ، اجتهد لها ، فإن تغير اجتهاده ، عمل بالثاني ، ولم يعد ما صلى بالأول .

التالي السابق


( فإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه ) لأن فرض كل واحد ما يؤدي إلى اجتهاده ، فلا يجوز تقليد صاحبه ، وإن كان أعلم منه ، كالعالمين يختلفان في الحادثة ، وظاهره لا فرق بين اختلافهما في جهتين أو جهة ، والأول : المذهب ، والثاني : قويل . ولا يصح اقتداؤه به ، نص عليه ، لظنه خطأه بإجماع ، وذكر في " المغني " أن قياس المذهب صحة الاقتداء مع اختلافهما في جهتين ، وصححه في " الشرح " لأن كلا منهما يعتقد صحة صلاة الآخر ، وأن فرضه التوجه إلى ما توجه إليه ، فلم يمنع الاقتداء به ، كالمصلين حول الكعبة ، وقيل : تبطل صلاة المأموم فقط ، وظاهر كلامهم يصح ائتمامه به إذا لم يعلم حاله ، فإن كان اختلافهما في جهة ، فتيامن أحدهما أو تياسر الآخر ، وفي صحة اقتداء أحدهما بالآخر وجهان ، ذكرهما القاضي ، وذكر في " الشرح " أنه لا يختلف المذهب في صحة الاقتداء لاتفاقهما في الجهة الواجب استقبالها ، وظاهره : ولو ضاق الوقت كالحاكم ليس له تقليده غيره ، وكما لو كان متسعا ، وفيه وجه ، وهو الذي في " التلخيص " وذكره القاضي ظاهر كلام أحمد ، لأنه قال فيمن هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة في [ ص: 410 ] بيت بعيد ، لأن عليه أن يسأل ، ورده المؤلف بأن مقتضاه المنع من الاجتهاد في المصر ، لأنه يمكنه التوصل بطريق الخبر عن يقين ، فإن اتفق اجتهادهما فائتم أحدهما بالآخر ، فمن بان له الخطأ انحرف وأتم ، وينوي المأموم المفارقة للعذر ويتم ، ويتبعه من قلده في الأصح .



تنبيه : إذا صلى بلا اجتهاد ، ولا تقليد أو ظن جهة باجتهاده فخالفها أعاد ، وإن تعذر الأمران لخفاء الأدلة أو عدم من يقلده لجهله صحت صلاته بتحر في الأشهر ، وإن صلى بلا تحر أعاد ، وعنه : يعيد إن تعذر التحري ، وقيل : ويعيد في الكل إن أخطأ ، وإلا فلا .



( ويتبع الجاهل والأعمى ) وجوبا ( أوثقهما في نفسه ) ذكره السامري ، وقدمه في " الرعاية " و " الفروع " وجزم به في " الوجيز " وصححه ابن تميم ، والمراد به أعلمهما عنده ، وأصدقهما قولا ، وأشدهما تحريا لدينه ، لأن الصواب إليه أقرب ، وظاهره أنه إذا قلد المفضول لا يصح ، وهو ظاهر " الخرقي " ، وغيره ، لأنه يترك ما يغلب على ظنه أنه الصواب ، فلم يجز كالمجتهد ، وقيل : يستحب .

فعلى هذا له تقليد من شاء منهما ذكر في " الشرح " أنه الأولى كما لو استويا ، وكعامي في الفتيا على الأصح ، وعلى الأول : لا عبرة بظنه ، فلو غلب على ظنه إصابة المفضول لم يمنعه تقليد الفاضل ، فإن كان أحدهما أدين ، والآخر أعلم ، فوجهان ، فلو تساويا ، فمن شاء ، وقال أبو الوفاء : إن اختلفا فإلى الجهتين .



تذنيب : إذا قلد اثنين لم يرجع برجوع أحدهما ، لأنه دخل فيها بظاهر [ ص: 411 ] فلا يزول إلا بمثله ، والمقلد إذا أخبر فيها بالخطأ عن يقين لزمه الرجوع إليه ، لأنه لو أخبر بذلك المجتهد الذي قلده ، فالجاهل والأعمى أولى ، وإن كان عن اجتهاد أو لم يتبين له لم يلزمه ، لأنه شرع فيها بدليل يقينا فلا يزول عنه بالشك ، وذكر في " الشرح " أن الثاني إن كان أوثق من الأول ، وقلنا : يلزمه تقليد الأفضل ، فإنه يرجع إلى قول كالمجتهد إذا في أثنائها .



( وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ ) أعاد ، ذكره معظمهم ، وجزم به في " المحرر " وصححه ابن تميم ، لأن ذلك لا يكون إلا لتفريط ، لأن الحضر ليس بمحل للاجتهاد ، لقدرة من فيه على الاستدلال بمحاريب المسلمين ، ولا فرق في ظاهر كلامهم بين أن يصلي باجتهاد أو غيره ، وعنه : لا إعادة عليه إذا صلى باجتهاد ، قدمه في " الرعاية " وهو ظاهر " المستوعب " لأنه أتى بما أمر به ، فخرج عن العهدة كالمصيب ، واحتج أحمد بقضية أهل قباء ، وفي ثالثة : ما لم يحط جزما ، وظاهره أن المكي كغيره ، وهو ظاهر في رواية صالح ، وأنه لا يعيد مع الإصابة ، لأنه مأمور بها إلى القبلة ، وقد وحدت ، وقيل : يعيد ، لأنه ترك فرضه ، وهو السؤال ، فإذا أخبره ثقة عدل في الحضر بالقبلة فصلى إليها ، وبان خطؤه أعاد ، ذكره في " المغني " و " الشرح " وغيرهما ، لأنه قد تبين أن خبره ليس بدليل ، ويستثنى من كلامه ما إذا كان محبوسا فيه ، ولا يجد من يخبره ، فإنه يصلي بالتحري ، ولا يعيد ، قاله أبو الحسن التميمي ، أشبه المسافر ( أو صلى الأعمى بلا دليل ، أعادا ) كتركه الواجب عليه ، لأنه في الحضر بمنزلة البصير لقدرته على الاستدلال بالحضر ، ولمس المحاريب ، ويعلم أيضا بأن باب المسجد إلى المغرب وغيره ، وظاهره أنه [ ص: 412 ] يعيد ولو أصاب ، لأنه ترك فرضه مع أنه يغلب على ظنه عدم إصابته ، وفيه وجه أنه يعيد مع الخطأ ( فإن لم يجد الأعمى ) والمقلد في السفر ( من يقلده ) تحرى ، فإن صلى بدونه مع القدرة عليه قضى ، وقيل : إن أخطأ ، فإن عدم التحري ( صلى ) على حسب حاله ، قاله أبو بكر ، لأنه لو لم يصل لأدى إلى خلو الوقت عن صلاة في الجملة ، وهو غير جائز ، كعادم الطهورين ( وفي الإعادة وجهان ) وقيل : روايتان حكاهما في " الشرح " وغيره ، إحداهما : يعيد مطلقا ، وهو ظاهر الخرقي ، لأنه صلى بغير دليل ، والثانية : لا ، لأنه أتى بما أمر به ، وعادم للدليل ( وقال ابن حامد : إن أخطأ أعاد ) لفوات الشرط ، وهو عدم الإصابة ، والصلاة بغير دليل ( وإن أصاب فعلى وجهين ) أحدهما : لا يعيد ، لأنه استقبل القبلة فيها ، وهو إن كان فرضه السؤال فقد سقط بعدم المسئول ، والثاني : بلى ، لأنها وقعت في الوقت على نوع من الخلل استدراكا لما حصل .



( ومن صلى بالاجتهاد ) ثم شك في اجتهاده ، لم يلتفت ، وبنى ، لأنه دخل فيها بظاهر ، فلا يزول عنه بالشك ، وكذا إن زال ظنه ، ولم يبين له الخطأ ، ولا ظهر له جهة أخرى ( ثم علم أنه أخطأ القبلة فلا إعادة عليه ) لما روى عامر بن ربيعة قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر في ليلة مظلمة ، فلم ندر أين القبلة ؛ فصلى كل رجل منا على حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل فأينما تولوا فثم وجه الله رواه ابن ماجه ، والترمذي ، وقال : ليس إسناده بذاك ، ولأنه شرط عجز عنه أشبه سائر الشروط ، ولا فرق بين كون الأدلة ظاهرة فاشتبهت عليه ، أو مستورة بغيم أو ما يسترها عنه ، وكذا إذا قلد فأخطأ مقلده ( فإن أراد صلاة أخرى [ ص: 413 ] اجتهد لها ) لأنها واقعة متجددة فتستدعي طلبا جديدا ، كطلب الماء في التيمم ، وكالحادثة في الأصح فيها كمفت ومستفت ، وألزمه فيها أبو الخطاب ، وأبو الوفاء إن لم يذكر طريق الاجتهاد ( فإن عمل بالثاني ) أي : وصله ، لأنه ترجح في ظنه ، والعمل به واجب ، وظاهره ولو كان في صلاة فإنه يبني نقله الجماعة ، وهو الأصح خلافا للشافعي ، لقصة أهل قباء ، والصلاة تتسع لاجتهادين لطولها ، بخلاف حكم الحاكم ، وعنه : تبطل ، وقال ابن أبي موسى : يلزمه جهته الأولية لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد ( ولم يعد ما صلى بالأول ) لأنها لو وجبت الإعادة لكان نقضا للاجتهاد بمثله ، وذلك غير جائز لعدم تناهيه ، وكالحاكم بغير خلاف نعلمه .



فرع : إذا ظن الخطأ فيها بطلت ، وقال أبو المعالي : إن بان له صحة ما كان عليه ، ولم يطل زمنه استمر ، وصحت ، وإن بان له الخطأ فيها بنى ، نص عليه ، لأنه مجتهد ، أداه اجتهاده إلى جهة أخرى ، فلم يجز له تركها ، ولأن ما مضى منها كان صحيحا ، فجاز البناء عليه ، ومن أخبر فيها بالخطأ يقينا لزمه قبوله ، وإلا لم يجز ، وذكر جماعة إلا أن يكون الثاني يلزمه تقليده ، فكمن تغير اجتهاده ، وخرج أبو الخطاب ، وغيره على منصوصه في الثياب المشتبهة وجوب الصلاة إلى أربع جهات ، وهو رواية ، والله أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث