الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة وقت ذبح الأضحية أو نحرها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 35 ] مسألة : ووقت ذبح الأضحية أو نحرها هو أن يمهل حتى تطلع الشمس من يوم النحر ، ثم تبيض وترتفع ، ويمهل حتى يمضي مقدار ما يصلي ركعتين يقرأ في الأولى بعد ثمان تكبيرات " أم القرآن " وسورة " ق " وفي الثانية بعد ست تكبيرات " أم القرآن " وسورة : " اقتربت الساعة وانشق القمر " بترتيل ويتم فيهما الركوع والسجود ، ويجلس ، ويتشهد ، ويسلم .

ثم يذبح أضحيته أو ينحرها - البادي ، والحاضر ، وأهل القرى ، والصحاري ، والمدن سواء في كل ذلك ; فمن ذبح ، أو نحر قبل ما ذكرنا ففرض عليه أن يضحي ولا بد بعد دخول الوقت المذكور ، ولا معنى لمراعاة صلاة الإمام ، ولا لمراعاة تضحيته .

برهان ذلك - : ما ذكرنا في أول الباب الذي قبل هذا من قوله عليه السلام : " { أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر } .

ومن طريق شعبة عن سلمة هو ابن كهيل - عن أبي جحيفة عن البراء بن عازب قال : { ذبح أبو بردة قبل الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أبدلها } .

ومن طريق حماد بن زيد نا أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ، ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحا } .

ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن الأسود بن قيس قال : سمعت جندبا يقول : { مر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر على قوم قد نحروا وذبحوا فقال : من نحر وذبح قبل صلاتنا فليعد ، ومن لم يذبح أو ينحر فليذبح ولينحر باسم الله } .

ومن طريق مسلم نا محمد بن حاتم نا محمد بن بكر نا ابن جريج أنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم } . [ ص: 36 ]

فالوقت الذي حددنا هو وقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول الشافعي ، وأبي سليمان ، إلا أن الشافعي لم يجز التضحية قبل تمام الخطبة - ولا معنى لهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد وقت الأضحية بذلك .

وقال سفيان : إن ضحى قبل الخطبة أجزأه .

وقال أبو حنيفة : أما أهل المدن والأمصار فمن ضحى منهم قبل تمام صلاة الإمام فعليه أن يعيد ولم يضح ، وأما أهل القرى والبوادي فإن ضحوا بعد طلوع الفجر من يوم الأضحى أجزأهم .

وقال مالك : من ضحى قبل أن يضحي الإمام فلم يضح ; ثم اختلف أصحابه فطائفة قالت : الإمام هو أمير المؤمنين ; وطائفة قالت : بل هو أمير البلدة ، وطائفة قالت : بل هو الذي يصلي بالناس صلاة العيد .

قال أبو محمد : أما قول أبي حنيفة فخلاف مجرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوردنا بلا برهان .

وأما قول مالك فلا حجة له أصلا ، وخلاف للخبر أيضا إذ لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم قط بمراعاة تضحية غيره .

ونقول للطائفتين معا : أرأيتم إن ضيع الإمام صلاة الأضحى ولم يضح أتبطل سنة الله تعالى في الأضاحي على الناس ؟ حاشا لله من هذا ، بل هو الحق أن الإمام إن صلى في الوقت الذي كان يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أحسن وهو أحد المسلمين في وقت تضحيته ، وإن أغفل ذلك فقد أخطأ وليس ذلك بكادح في عدالته ، لأنه لم يعطل فرضا ، وليس ذلك بمحيل شيئا من حكم الناس في أضاحيهم .

ونقول للمالكيين أيضا : أرأيتم إن ضحى الإمام قبل وقت صلاة الأضحى أيكون ذلك علما لأضاحي الناس ؟ فإن قالوا : نعم ، أتوا بعظيمة وإن قالوا : لا ، صدقوا ، وتركوا قولهم في مراعاة تضحية الإمام - وبالله تعالى التوفيق .

وقد روينا مثل قول أبي حنيفة في الفرق بين أهل القرى وأهل المدن عن عطاء ، [ ص: 37 ] وإبراهيم ، وما نعرف قول مالك في مراعاة تضحية الإمام عن أحد قبله - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث