الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث السادس عشر قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم

397 [ ص: 302 ] حديث سادس عشر لعبد الله بن أبي بكر

مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، أنه قال : أخبرني أبو حميد الساعدي ، أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد .

التالي السابق


استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك ، عن نعيم المجمر وفي [ ص: 303 ] غير ما حديث : اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد وفي هذا الحديث : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ، فقالوا : هذا يفسر ذلك الحديث ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته .

هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت .

وروي عن عيسى بن يونس ، عن مالك ، عن محمد ، وعبد الله ابني أبي بكر ، عن أبيهما ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي حميد الساعدي . وذكر محمد بن أبي بكر فيه غريب إن صح ، قالوا : فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن ذريته : صلى الله عليك إذا وجهه ، وصلى الله عليه إذا غاب عنه ، ولا يجوز ذلك في غيرهم ، قالوا : والآل ، والأهل سواء ، وأهل الرجل وآله سواء ، وهم الأزواج ، والذرية بدليل هذا الحديث . وقال جماعة من أهل العلم : الأهل معلوم ، والآل الأتباع ، وقد ذكرنا وجه قول كل واحد في باب نعيم المجمر من كتابنا هذا ، والحمد لله .

وقال آخرون : لا يجوز أن يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده دون غيره ; لأنه خص بذلك ، واستدلوا بقوله عز وجل : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ، قالوا : وإذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد [ ص: 304 ] من أمته انبغى له أن يصلي عليه لما جاء في ذلك عنه من قوله - عليه السلام - : من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ولا يجوز أن يتراحم عليه ; لأنه لم يقل من تراحم علي ، ولا من دعا لي ، وإن كانت الصلاة هاهنا معناها الرحمة ، فكأنه خص بهذا اللفظ تعظيما له ، قال الله عز وجل : إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ولم يقل : إن الله وملائكته يتراحمون على النبي ، وإن كان المعنى واحدا ليخصه بذلك ، والله أعلم .

واحتج قائلو هذه المقالة بأن عبد الله بن عباس كان يقول : لا يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وبما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقف على قبر النبي - عليه السلام - فيصلي عليه ويدعو لأبي بكر ، وعمر ، وقد روي في خبره هذا أنه كان يصلي على النبي - عليه السلام - ، وعلى أبي بكر ، وعمر ، والأول عند قائلي هذه المقالة أثبت عنه ، وقال آخرون : جائز أن يصلى على كل أحد من المسلمين ، وقالوا : آل محمد أتباعه [ ص: 305 ] وشيعته وأهل دينه هم آله ، واحتجوا بقول الله عز وجل : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ، قالوا : ومعلوم أن آل فرعون أتباعه على دينه .

واحتجوا أيضا بحديث عبد الله بن أبي أوفى حدثناه سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا عبد الله بن روح المدائني ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن أبي أوفى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم ، قال : اللهم صل عليهم فأتاه أبي بصدقته ، فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى قالوا : ففي هذا الحديث بيان أن الصلاة على كل أحد جائزة من كل أحد اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وتأسيا به ; لأنه كان - عليه السلام - يمتثل قول الله عز وجل : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ، قالوا : ومعلوم أن الصلاة هاهنا الرحمة والتراحم فغير نكير أن يجوز من كل أحد من المسلمين بدليل الكتاب ، والسنة [ ص: 306 ] قال أبو عمر : كل ما ذكرنا ، قد قاله العلماء فيما وصفنا وبالله توفيقنا .

وقد أخبرنا إبراهيم بن شاكر ، حدثنا محمد بن أحمد ، حدثنا محمد بن أيوب ، حدثنا أحمد بن عمرو نا عمرو بن علي ، حدثنا أبو قتيبة ، حدثنا الثوري ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتاني النبي - عليه السلام - فقلت لامرأتي : لا تسألي النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، فقالت : يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ، ولا نسأله شيئا ، قالت : يا رسول الله صل على زوجي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى الله عليك ، وعلى زوجك .

وأما اختلاف الفقهاء في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية وجوبها . وموضع ذلك فقد مضى فيما سلف من كتابنا في باب نعيم المجمر ، والحمد لله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث