الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة هود

سورة هود

204 - قوله تعالى : فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا ، بحذف النون والجمع ، وفي القصص : فإن لم بإثبات النون ، لك فاعلم على الواحد . عدت هذه الآية من المتشابه في فصلين :

أحدهما : حذف النون من فإلم في هذه السورة ، وإثباتها في غيرها . وهذا من فعل الخط ، وقد ذكرته في " كتابة المصاحف " .

والثاني : جمع الخطاب ههنا ، وتوحيده في القصص ؛ لأن ما في هذه السورة خطاب للكفار . والفعل يعود لمن استطعتم ، وما في القصص خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، والفعل للكفار .

205 - قوله : وهم بالآخرة هم كافرون سبق .

206 - قوله : لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ، وفي النحل : هم الخاسرون ؛ لأن هؤلاء صدوا عن سبيل الله ، وصدوا غيرهم ، فضلوا ، فهم الأخسرون ، يضاعف لهم العذاب . وفي النحل : صدوا فهم الخاسرون . قال الخطيب : لأن ما قبلها في هذه السورة : يبصرون ، يفترون لا يعتمدان على ألف بينهما . وفي النحل : الكافرون ، و الغافلون فللموافقة بين الفواصل جاء في هذه السورة [ ص: 144 ] الأخسرون ، وفي النحل : الخاسرون .

207 - قوله : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير بالفاء ، وبعده : فقال الملأ بالفاء ، وهو القياس ، وقد سبق .

208 - قوله : وآتاني رحمة من عنده ، وبعده : وآتاني منه رحمة ، وبعدهما : ورزقني منه رزقا حسنا ؛ لأن " عنده " وإن كان ظرفا فهو اسم ، فذكر الأولى بالصريح ، والثانية والثالثة بالكناية ؛ لتقدم ذكره ، فلما كنى عنه قدمه ؛ لأن الكناية يتقدم عليها الظاهر ، نحو : ضرب زيد عمرا ، فإن كنيت عن عمرو قدمته ، نحو : عمرو ضربه زيد ، وكذلك : زيد أعطاني درهما من ماله ، فإن كنيت عن المال قلت : المال زيد أعطاني منه درهما .

قال الخطيب : لما وقع وآتاني رحمة في جواب كلام فيه ثلاثة أفعال كلها متعد إلى مفعولين ، ليس بينهما حائل بجار ومجرور ، وهو قوله : ما نراك إلا بشرا مثلنا ، و وما نراك اتبعك ، و بل نظنكم كاذبين أجرى الجواب مجراه ، فجمع بين المفعولين من غير حائل .

وأما الثاني : فقد وقع في جواب كلام قد حيل بينهما بجار ومجرور ، وهو قوله : قد كنت فينا مرجوا ؛ لأن خبر كان بمنزلة المفعول ، كذلك حيل في الجواب بين المفعولين بالجار والمجرور .

209 - قوله : ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله في قصة نوح ، وفي غيرها : أجرا إن أجري ؛ لأن في قصة نوح وقع بعدها خزائن ، ولفظ المال بالخزائن أليق .

[ ص: 145 ] 210 - قوله : ولا أقول إني ملك ، وفي الأنعام : ولا أقول لكم إني ملك ؛ لأن في الأنعام آخر الكلام فيه ( جاء ) بالخطاب ، وختم به ، وليس في هذه السورة آخر الكلام ، بل آخره : تزدري أعينكم ، فبدأ بالخطاب وختم به في السورتين .

211 - قوله : ولا تضرونه شيئا ، وفي التوبة : ولا تضروه شيئا . ذكر هذا في المتشابه وليس منه ؛ لأن قوله : ولا تضرونه شيئا عطف على قوله : ويستخلف ربي فهو مرفوع ، وفي التوبة معطوف على : " يعذبكم " - " يستبدل " ، وهما مجزومان فهو مجزوم .

212 - قوله : ولما جاء أمرنا نجينا هودا في قصة هود وشعيب بالواو ، وفي قصة صالح ولوط : " فلما " بالفاء ؛ لأن العذاب في قصة هود وشعيب تأخر عن وقت الوعيد ، فإن في قصة هود : فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ، وفي قصة شعيب : سوف تعلمون . والتخويف قارنه التسويف ، فجاء بالواو المهملة . وفي قصة صالح ولوط وقع العذاب عقيب الوعيد ، فإن في قصة صالح : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، وفي قصة لوط : أليس الصبح بقريب ، فجاء الفاء للتعجيل والتعقيب .

213 - قوله : وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ، وفي قصة موسى : في هذه لعنة ؛ لأنه لما ذكر في الآية الأولى الصفة والموصوف ، اقتصر في الثانية على الموصوف للعلم ، والاكتفاء بما قبله .

[ ص: 147 ] 214 - قوله : إن ربي قريب مجيب ، وبعده : إن ربي رحيم ودود لموافقة الفواصل ، ومثله : لحليم أواه منيب ، وفي التوبة : لأواه حليم للروي في السورتين .

215 - قوله : وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ، وفي إبراهيم : وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ؛ لأنه في السورتين جاء على الأصل ، وتدعونا خطاب مفرد ، وفي إبراهيم لما وقع بعده تدعوننا بنونين ؛ لأنه خطاب جمع ، حذف منه النون استثقالا للجمع بين النونات ، ولأن في إبراهيم اقترن بضمير قد غير ما قبله بحذف الحركة وهو الضمير المرفوع في قوله : " كفرنا " فغير ما قبله في إننا بحذف النون . وفي هود اقترن بضمير لم يغير ما قبله ، وهو الضمير المنصوب والضمير المجرور في قوله : . . . فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا فصح كما صح .

216 - قوله : وأخذ الذين ظلموا الصيحة ، ثم قال : وأخذت الذين ظلموا التذكير والتأنيث حسنان ، لكن التذكير أخف في الأولى بحذف حرف منه ، وفي الأخرى وافق ما بعدها وهو : كما بعدت ثمود .

قال الخطيب : لما جاءت في قصة شعيب مرة : الرجفة ، ومرة : الظلة ، ومرة : الصيحة ؛ ازداد التأنيث حسنا .

217 - قوله : في ديارهم في موضعين في هذه السورة ؛ لأنه اتصل بالصيحة ، وكانت من السماء ، فازدادت على الرجفة ؛ لأنها : الزلزلة ، وهي تختص بجزء من الأرض ، فجمعت مع الصيحة ، وأفردت مع الرجفة .

[ ص: 147 ] 218 - قوله : إن ثمودا بالتنوين ، ذكر في المتشابه ، فقلت : ثمود من الثمد ، وهو : الماء القليل ، جعل اسم قبيلة ، فهو منصرف من وجه ، وغير منصرف من وجه ، فصرفوه في حال النصب ؛ لأنه أخف أحوال الاسم ، ولم يصرفوه في حال الرفع ؛ لأنه أثقل أحوال الاسم ، وجاز الوجهان في الجر ؛ لأنه واسطة بين الخفة والثقل .

219 - قوله : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . وفي القصص : مهلك القرى ؛ لأن الله تعالى نفى الظلم عن نفسه بأبلغ لفظ يستعمل في النفي ؛ لأن هذه اللام لام الجحود ، وتظهر بعدها أن ، ولا يقع بعدها المصدر ، وتختص بكان ، معناه : ما فعلت فيما مضى ، ولا أفعل في الحال ، ولا أفعل في المستقبل ، فكان الغاية في النفي . وما في القصص لم يكن صريح ظلم ، فاكتفى بذكر اسم الفاعل ، وهو أحد الأزمنة غير معين ، ثم نفاه .

220 - قوله : فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ، وفي الحجر : بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد استثنى في هذه السورة من الأهل قوله : إلا امرأتك . ولم يستثن في الحجر اكتفاء بما قبله ، وهو قوله : إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته . فهذا الاستثناء الذي تفردت به [ ص: 148 ] سورة الحجر قام مقام الاستثناء من قوله : فأسر بأهلك بقطع من الليل ، وزاد في الحجر : واتبع أدبارهم ؛ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم ولا يخفى عليه حالهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث